هل يستطيع شاب في الثانية والعشرين من عمره أن يحمل هموم مجتمعه، ويجلس على طاولة صنع القرار، ويشارك في رسم مستقبل منطقته؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول دور الشباب في الحياة العامة، وحول ما إذا كان العمر وحده هو المعيار الحقيقي للقدرة على القيادة
في ظل التوجه نحو تعزيز مشاركة الشباب، جاء تعديل قانون الإدارة المحلية لعام 2026 الذي خفّض سن الترشح لعضوية المجالس المحلية من 25 عامًا إلى 22 عامًا، في خطوة تهدف إلى منح الشباب مساحة أكبر للمشاركة في إدارة شؤون مجتمعاتهم، وإشراكهم في صناعة القرار بدل أن يبقوا مجرد متلقين للقرارات.
ولعل أهمية هذا التعديل لا تكمن فقط في تغيير رقم، بل في الرسالة التي يحملها؛ وهي أن الشباب ليسوا فئة تنتظر دورها في المستقبل، بل هم جزء أساسي من حاضر المجتمع. فهم الأقرب إلى القضايا التي يعيشها أبناء جيلهم، والأكثر قدرة على فهم التحديات التي تواجههم، سواء في التعليم أو العمل أو المبادرات المجتمعية.
ومن هنا، فإنني أؤيد منح الشباب هذه الفرصة، لأنني أؤمن أن وجودهم في المجالس المحلية يمكن أن يضيف الكثير. فالشباب يمتلكون أفكارًا جديدة، وطاقة للتغيير، وقدرة على التواصل مع مختلف فئات المجتمع، كما أنهم أكثر متابعة لما يحدث حولهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما يجعلهم قريبين من نبض الشارع ومشكلاته.
لكن في الوقت نفسه، فإن إعطاء الفرصة لا يعني أن العمر وحده يكفي للقيادة. فالمسؤولية ليست مجرد مقعد داخل مجلس، بل هي قدرة على اتخاذ قرارات تمس حياة الناس، وهذا يحتاج إلى وعي ومعرفة بالقوانين، وفهم لطبيعة الإدارة المحلية، وتجربة تساعد الشخص على التعامل مع مختلف المواقف.
ومن تجربتي، أرى أن هذه النقطة مهمة جدًا؛ فمع اقترابي من عمر 21 عامًا، ورغم اهتمامي بالقضايا العامة ورغبتي في المشاركة، لا أشعر أنني أصبحت أمتلك المعرفة الكاملة التي تؤهلني لتحمل مسؤولية كبيرة مثل عضوية مجلس محلي. وهذا لا يعني أن الشباب غير قادرين، بل يعني أن الاستعداد والكفاءة يجب أن يكونا أساس الاختيار.
فقد نجد شبابًا بعمر 22 عامًا يمتلكون الوعي والخبرة والقدرة على القيادة، وربما يكونون أكثر تأثيرًا من أشخاص أكبر منهم سنًا، لأنهم عاشوا مشكلات مجتمعهم عن قرب، ولديهم رغبة حقيقية في التغيير. لكن نجاح التجربة يحتاج إلى أن يكون هؤلاء الشباب مؤهلين، وليس فقط مؤهلين عمريًا.
لذلك، فإن الخطوة الأهم بعد تعديل القانون هي الاستثمار في الشباب أنفسهم؛ من خلال نشر الوعي بالإدارة المحلية في المدارس والجامعات، وإطلاق برامج تدريبية للراغبين بالمشاركة، وتشجيع العمل التطوعي داخل البلديات، حتى يفهم الشباب طبيعة العمل المحلي قبل الوصول إلى مواقع المسؤولية.
في النهاية، لا يجب أن يكون النقاش حول قدرة الشباب أو عدم قدرتهم، بل حول كيفية منحهم فرصة حقيقية ليكونوا قادة ناجحين. فخفض سن الترشح إلى 22 عامًا هو بداية طريق، أما نجاح هذا الطريق فيعتمد على المعرفة والتأهيل والإرادة. فالشباب لا يحتاجون فقط إلى باب يُفتح أمامهم، بل يحتاجون إلى أن يكونوا مستعدين للدخول منه.










