لم تعد الجريمة في الشارع الأردني مجرد خبر نقرؤه في المواقع الإخبارية أو نشاهده في نشرات الأخبار، بل أصبحت قضية تثير قلق المجتمع وتدفعنا إلى التساؤل: لماذا ارتفعت حوادث العنف بهذا الشكل؟ ولماذا يتحول خلاف بسيط على أولوية مرور، أو مشادة كلامية بين جارين، إلى اعتداء أو حتى جريمة قتل؟
في الحقيقة، لا يمكن النظر إلى هذه الجرائم على أنها حوادث فردية فقط، بل هي مؤشر على وجود أسباب أعمق تحتاج إلى دراسة ومعالجة.
فالمشكلة لا تبدأ عند وقوع الجريمة، وإنما تبدأ قبل ذلك بوقت طويل عندما تتراكم الضغوط وتغيب ثقافة الحوار وضبط النفس وان تجاهل هذه الأسباب والاكتفاء بالنظر إلى الجريمة بعد وقوعها لن يساعد في الحد من هذه الظاهرة.
كما أن الجرائم الواقعة على الأشخاص والممتلكات تُعد من أبرز القضايا التي يواجهها المجتمع الأردني، فإن كثيرًا من المشاجرات التي تبدأ بسبب خلافات بسيطة تنتهي باعتداءات جسدية بسبب الغضب السريع وعدم ضبط النفس فإن التعامل مع الخلافات بهذه الطريقة يعكس ضعفًا في ثقافة الحوار، ويجعل الخلاف البسيط يتحول إلى مشكلة أكبر.
إضافة إلى ذلك، تلعب الظروف الاقتصادية دورًا لا يمكن تجاهله. فارتفاع معدلات البطالة، وضعف القدرة الشرائية، وزيادة الأعباء المعيشية، كلها عوامل تجعل كثيرًا من المواطنين يعيشون تحت ضغط نفسي مستمر. وهذه الضغوط لا تجعل الإنسان مجرمًا بالضرورة، لكنها قد تدفع البعض إلى الانفعال بسرعة، ليصبح أي خلاف بسيط سببًا في وقوع مشكلة كبيرة.
ومن جهة أخرى، شهد المجتمع تغيرات اجتماعية أثرت في طريقة التعامل مع الخلافات. ففي الماضي، كان للوجهاء والأسرة والكبار دور كبير في احتواء أي خلاف فور حدوثه وقبل أن يتطور. أما اليوم، فقد تراجع هذا الدور، وأصبح بعض الشباب يعتقدون أن التسامح ضعف، وأن استخدام القوة وسيلة لإثبات الذات، وهو فهم خاطئ يغذي العنف وأعتقد أن تعزيز احترام الآخرين والتسامح لا يعني الضعف، بل هو دليل على الوعي والقدرة على ضبط النفس
وهنا يبرز دور الوساطة المجتمعية كحل عملي وبسيط.
والوساطة المجتمعية تعني ببساطة: وجود أشخاص موثوقين ومقبولين في الحي أو المنطقة (مثل كبار الحارة، أو المصلحين، أو مبادرات شبابية جارة) يتدخلون بسرعة وبأسلوب هادئ لحل أي خلاف بين الأطراف المتنازعة. هذا التدخل السريع يمتص الغضب، ويمنع المشكلة الصغيرة من أن تتحول إلى مشاجرة كبيرة أو جريمة، ويحمي الناس من الوصول إلى الشرطة والمحاكم.
وفي الوقت نفسه، أصبح لوسائل التواصل الاجتماعي تأثير واضح في هذه القضية. فالنشر المستمر لمقاطع الجرائم والمشاجرات يثير القلق بين الناس، كما أنه يجعل مشاهد العنف مألوفة مع مرور الوقت. لذلك، فإن الاستخدام غير المسؤول لهذه المنصات قد يسهم في زيادة المشكلة بدلًا من الحد منها.
ومن هنا، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تعتمد على العقوبات القانونية وحدها، رغم أهميتها الكبيرة في فرض سيادة القانون وحماية المجتمع. بل تحتاج أيضًا إلى تعاون الجميع؛ من الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الرسمية. كما أن نشر ثقافة الحوار، وتعزيز الوعي القانوني، وتفعيل الوساطة المجتمعية لحل الخلافات ودياً، كلها خطوات تساعد في الحد من العنف قبل وقوعه.
وفي النهاية، فإن أمن المجتمع مسؤولية مشتركة، ولا يتحقق فقط بمعاقبة الجاني بعد ارتكاب الجريمة، بل يبدأ بمعالجة الأسباب التي تدفع إلى العنف من الأساس. لذلك، فإن تطبيق القانون بعدالة، وتحسين الظروف المعيشية، وتعزيز ثقافة الاحترام والتسامح، تمثل جميعها ركائز أساسية للحفاظ على أمن الأردن واستقراره.







