ثمة زيارات تُطوى صفحتها بانتهاء بروتوكولها وزيارات تفتح أُفقاً هامة، إلا أن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم إلى جمهورية الصين الشعبية والتي تأتي تزامناً مع القمة الصينية العربية الثانية تكتب فصلاً جديداً في عقيدة الدولة الأردنية.
فما جرى في شنغهاي وشنجن وبكين لم يكن استعراضاً دبلوماسياً بقدر ما كان إعلاناً عملياً عن إعادة تموضع استراتيجي تفرضه معطيات لا تحتمل التأجيل دين عام يقترب من 109% من الناتج المحلي الإجمالي، وبطالة هيكلية تبحث عن محركات نمو غير تقليدية وفاتورة واردات تتصاعد مع كل اضطراب إقليمي جديد.
في مثل هذه الظروف، لا يملك العقل السياسي للدولة الأردنية ترف الاكتفاء بخيارات اقتصادية محدودة وهو المعروف بحسه التاريخي الذي لم يكن يوماً رهينة خيار واحد، وهذه الجولة تذكير بذلك!
انطلقت الجولة الملكية من قلب النبض الاقتصادي الصيني في مدينة شنغهاي، حيث توقف جلالة الملك عند شركة "أجي بوت" الرائدة في تصنيع الروبوتات ولم يكن اللقاء بروتوكولياً بأي معنى، إذ شدد جلالته صراحة على ضرورة ربط هذه الشركة بالجامعات والمؤسسات الأردنية خصوصاً في مجالات تطوير تطبيقات الروبوتكس وتبادل الخبرة التقنية. تلا ذلك سلسلة لقاءات مع رؤساء تنفيذيين لكبرى الشركات الصينية، أكد خلالها جلالته أن عمّان تتطلع إلى توطيد العلاقات وتوسيع شراكاتها الاستثمارية في قطاعات واعدة.
ولم يغب الهاجس السياحي عن هذا الحساب الاستراتيجي؛ فزيارة مقر مجموعة "تريب" الصينية العملاقة جاءت لخدمة هدف محدد وهو جذب المزيد من السياح الصينيين إلى الأردن وفتح نافذة على السوق الآسيوي الضخم لتعريفه بتنوع المقاصد الأردنية الطبيعية والأثرية، فالسياحة الأردنية هنا ليست مجرد رقم في ميزان المدفوعات بل جسر بشري يصل حضارتين.
انتقلت الجولة بعدها إلى شنجن، المدينة التي تحوّلت خلال أربعة عقود من قرية صيد صغيرة إلى أبرز مركز تكنولوجي في العالم! جاء لقاء جلالة الملك بأمين لجنة الحزب الشيوعي في المدينة 'جين لي' والذي يحمل في طياته رسالة سياسية واضحة، أن الأردن يريد الشراكة مع النموذج الصيني الأكثر ديناميكية وابتكاراً .. لا مع بكين الرسمية فحسب.
غير أن المحطة الأبرز في شنجن كانت معرض الشركات التكنولوجية، الذي ضم أحدث ما توصلت إليه الصين من آليات متقدمة في الروبوتات وحلول النقل الجوي والخدمات اللوجستية. واجتماع جلالته برؤساء هذه الشركات لم يكن مجرد فرصة للتباحث في إمكانيات التعاون، بل كان بمثابة إشارة مقصودة بأن الأردن يسعى إلى شراكات في الابتكار والتحول الرقمي والبحث والتطوير، لا إلى علاقة تجارية تقليدية بمفهومها المجرد.
أما في بكـــين اتخذت المحطات طابعاً سياسياً أعمق. فلقاء رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب 'تشاو لجي' جاء لترسيخ الشراكة الاستراتيجية بين البلدين على أعلى مستوى مؤسسي. أما اللقاء مع ممثلي الشركات الصينية الرائدة في قطاعات الطاقة والمعادن والأسمدة والأغذية والصناعات المتقدمة، فقد أثبت أن الأردن يعرف أولوياته بدقة متناهية، شراكات فيما نحتاجه فعلاً لا استيراد عشوائي بلا بوصلة.
ولعل المحطة الأكثر دلالة كانت اجتماع جلالته بمسؤولي لجنة مراقبة وإدارة الأصول المملوكة للدولة. فحين يعرب جلالة الملك عن اهتمام الأردن بتجربة الصين في تطوير الشركات الحكومية وتعزيز الحوكمة، فهو يكشف عن وعي أردني بأن الشراكة مع بكين يجب أن تتجاوز الاستثمارات المالية لتشمل الإصلاح المؤسسي ذاته.
ومع استمرار الجولة الملكية لمنتصف الأسبوع، السؤال الأهم:
لماذا الصيـن الآن؟
إذا وضعنا هذه الجولة في سياقها الأوسع، تتكشف ملامح تحول جيواقتصادي يفرضه المنطق أكثر مما يفرضه الخيار الحر. فالعلاقة الاقتصادية بين البلدين كما هي اليوم غير متوازنة على الإطلاق، فحسب الميزان التجاري بلغت الواردات الأردنية من الصين ما يزيد عن 6.5 مليار دولار في عام 2025 مقابل صادرات لا تتجاوز 320 مليون دولار فقط، معنى ذلك أن الصين تستحوذ على نحو خُمس واردات المملكة.
غير أن الأردن يملك ورقة يمكنها أن تغيّر قواعد هذه المعادلة ، فنحو 50 اتفاقية تجارة حرة تمنحه وصولاً تفضيلياً إلى أسواق الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا والإقليم. فإذا تحولت الشراكة مع الصين من مجرد تبادل تجاري إلى تكامل إنتاجي حقيقي، يمكن للمملكة أن تتحول إلى منصة تصنيع ولوجستيات للشركات الصينية الساعية إلى الوصول للأسواق الغربية عبر قواعد المنشأ الأردنية.
وبالفعل، تتجه الاستثمارات الصينية نحو قطاعات ذات قيمة مضافة حقيقية في البوتاس، والفوسفات، ومنطقة العقبة الاقتصادية الخاصة. وهذه ليست شراكات رأسمالية بحتة بل تعاون تكنولوجي قادر على رفع الطاقة الإنتاجية وزيادة حجم الصادرات فعلياً.
لكن الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني يدرك جيداً أن التوجه شرقاً لا يعني بالضرورة الابتعاد عن الغرب. فما يجري هو تنويع استراتيجي مدروس لتقليل مخاطر الاعتماد على طرف واحد تحت بند سياسة التحوط، مع الحفاظ الكامل على الضمانة الأمنية الأمريكية التي تبلغ نحو 1.65 مليار دولار سنوياً.
الأردن بقيادته الذكية ببساطة لا يختار بين القوتين؛ بل يتفاوض مع كلتيهما في آن واحد. والصين من جانبها تقدّم نفسها كشريك تنموي لا كبديل أيديولوجي، وتتجنب بعناية الدخول في مجالات عسكرية أو تكنولوجيا حساسة كالجيل الخامس، هذا الفصل الواضح بين ملفي الأمن والاقتصاد هو ما يمنح عمّان مرونة حقيقية في عالم متعدد الأقطاب دون أن تقع أسيرة محاور متضادة.
وعلى الضفة الأُخرى، إن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس تمنح الأردن ورقة تفاوضية إضافية لا يملكها كثيرون. فالصين ومن جهتها تسعى لتقديم نفسها وسيطاً أكثر حياداً في الملف الفلسطيني، والزيارة الملكية تعزز هذا التنسيق السياسي وتذكّر الجميع بأن عمّان تملك خيارات حقيقية على أكثر من طاولة.
هذا الانفتاح الاقتصادي على الصين يُستخدم أيضاً لخلق مساحة سياسية أوسع في العلاقة مع الغرب، ولإرسال رسالة داخلية مفادها أن هناك أوراقاً خارجية جاهزة لمواجهة ضغوط الدين والبطالة وتأكيد استقلالية الموقف الأردني إقليمياً.
يمتلك الأردن اليوم مقومات حقيقية لا يستهان بها، موقع جيواقتصادي يربط آسيا بأفريقيا والخليج العربي، وموارد طبيعية متنوعة من فوسفات وبوتاس وصخر زيتي ويورانيوم، وإمكانية حقيقية للتحول إلى منصة تصنيع عالمية. لكن هذه المقومات تبقى مشروطة بوضوح مهما بدت واعدة كي تتحول إلى واقع، يلزمنا لإنجاحها إطار تشريعي شفاف لحوكمة الاستثمار الأجنبي وبيئة أعمال أقل كلفة، وبنية رقمية أكثر تطوراً، ومؤسسات قادرة على التفاوض مع قوة بحجم الصين دون الانزلاق إلى تبعية تكنولوجية.
يبقى الرهان على الذكاء الدبلوماسي لـ جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم وهو المنفذ الوحيد لإنجاح هذا التوازن الدقيق، بين الاستفادة من الصين كمحرك للتصنيع والتحول التكنولوجي دون الانخراط في مشروعها الجيوسياسي الأوسع مع الحفاظ على الضمانة الأمريكية كإحدى ركائز الأمن الأردني.
فالملك في #الصين لم يبحث عن بديل بل كان يبني جسوراً إضافية، و #الأردن اليوم في عالم يتشظى إلى محاور متعددة، يثبت مجدداً أن الذكاء الاستراتيجي الحقيقي لا يكمن في الانحياز .... بل في إتقان فن التوازن!










