لا شيء يوجع القلب في طقس الشتاء القارس مثل أن تقف أمام جبلٍ كان يرتدي ثوباً أخضر يسرّ الناظرين، لتجده اليوم مجرداً إلا من بقايا جذوعٍ مقطوعة وشواهد صامتة على جريمة تُرتكب جهاراً نهاراً. المناظر الخلابة التي طالما كانت رئةً نتنفس منها، ومصدر فخرٍ لطبيعة بلادنا، تتآكل اليوم ضربةً بعد ضربة تحت حدّ المنشار وصرير المناشير.
إنني أفهم تماماً قسوة الظروف المعيشية، وأدرك تماماً حجم العبء الذي يقع على كاهل المواطن وهو يواجه ارتفاع أسعار المشتقات النفطية وتكاليف التدفئة التي أثقلت الجيوب. لكن، هل تشفع الحجة الاقتصادية المقيتة ليتحول المواطن نفسه إلى أداة تُدمّر بيئته بيده ….هل يعقل أن نشتري دفء ليلةٍ واحدة بقطع شجرةٍ احتاجت عقوداً لتكبر وتمنحنا الظل والهواء النقي…
إن القسوة الحقيقية لا تكمن فقط في برودة الجو، بل في الاستهانة بالغطاء النباتي والتعامل معه وكأنه ممتلكات بلا صاحب أو مجرد "حطب مجاني"ما يحدث في غاباتنا ومناطقنا الطبيعية ليس مجرد احتطاب سليم، بل هو سلوك جائر يجهز على بيئتنا الساحرة، ويحرم أجيالنا القادمة من حقها في رؤية هذه الطبيعة حية. نحرق بيئتنا لنستدفئ بها يومين، فنخسر جمالها وأثرها البيئي لسنوات طويلة.
العلاج لا يتطلب معجزات، بل يتطلب حزماً ووعياً:
من خلال ألا يمر أي اعتداء على الغابات والغطاء النباتي مرور الكرام، بل إن تشديد الرقابة الجوهرية والردع القانوني بحق المعتدين هو الخطوة الأولى لحماية ما تبقى من شجر.
ويجب توفير بدائل تدفئة مدعومة: لا يمكن حل المشكلة بالمنع وحده؛ بل يجب على الجهات المعنية تقديم حلول وتسهيلات سريعة للمجتمعات المحلية، عبر دعم وسائل التدفئة أو استبدال الاحتطاب العشوائي بمخلفات التقليم المنتظم والمقنن تحت إشراف رسمي.
تحريك الضمير البيئي: البيئة ليست رفاهية، بل هي أصل بقائنا. لن تعود تلك المناظر الخلابة إلا إذا شعر كل فرد منا أن الشجرة في الجبل هي ملكه الشخصي وأمانة في عنقه، وليست جداراً يقف خلفه بالمنشار عند أول أزمة.
إن الطبيعة لا تطلب منا الكثير، هي فقط تريد منا أن نكفّ أيدينا عنها، وأن ندرك قبل فوات الأوان أن المنشار الذي يقطع الشجرة اليوم، إنما يقطع جزءاً من جمال وطننا ومستقبله البيئي.










