لم يعد المواطن بحاجة إلى استطلاع رأي طويل لمعرفة ما يشغل الناس؛ يكفي أن يفتح هاتفه ويتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، ليجد موضوعا واحدا يتصدر الحديث، وآلاف المنشورات والتعليقات تتكرر حوله حتى يبدو وكأنه القضية الأهم في المجتمع. هنا يظهر مصطلح "الترند"، وهو الموضوع أو الخبر أو الفيديو الذي يحظى بانتشار وتفاعل واسع خلال فترة زمنية قصيرة، فيصبح حاضرا في كل مكان، من صفحات التواصل إلى الأحاديث اليومية.
لكن من الذي يقرر أن موضوعاً ما يستحق أن يكون في مقدمة المشهد؟
هنا تدخل الخوارزمية وهي مجموعة من القواعد والعمليات التي تستخدمها منصات التواصل لتحليل ما نشاهده ونبحث عنه ونتفاعل معه، ثم تقترح علينا محتوى مشابها وتزيد من ظهور المحتوى الذي يحقق تفاعلا أكبر. وبمعنى أبسط كلما شاهدنا وعلقنا وشاركنا محتوى معينا، ازدادت احتمالية أن نراه مرة أخرى، وأن يراه غيرنا أيضا.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية هل ما هو أكثر انتشارا هو فعلاً ما هو أكثر أهمية؟
في الأردن شهدت الساحة خلال الفترة الأخيرة مثالا واضحا على قدرة الترند على سحب انتباه المجتمع نحو قضية واحدة، ومن أبرزها الجدل الذي رافق مهرجان جرش، حيث تصاعد الحديث عبر منصات التواصل حول بعض مظاهر وفعاليات المهرجان، ووصف بعض المتداولين بعض المشاهد بأنها "خادشة للحياء"، فتحول الموضوع إلى مادة واسعة للنقاش والانتقاد والتعليق.
وبغض النظر عن الموقف من المهرجان أو من هذه الانتقادات، فإن السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس هل كان الجدل حول جرش مبررا أم لا؟ بل لماذا استطاع هذا الموضوع أن يحتل كل هذه المساحة من النقاش العام في وقت قصير؟ وماذا حدث للقضايا الأخرى التي كانت تستحق منا القدر نفسه من الانتباه؟
المفارقة أن الحديث عن "الخدش" لا ينبغي أن يتوقف عند مشهد من مهرجان أو إطلالة فنان، بينما توجد في المجتمع قضايا أكثر عمقا وخطورة، مثل انتشار المخدرات والتعاطي، والجرائم الأسرية والعنف، والحوادث التي تحصد الأرواح. قضايا قد يكون أثرها على الأسرة والمجتمع طويل الأمد، لكنها لا تحظى دائما بالانتشار نفسه الذي يحظى به محتوى مثير للجدل.
وهنا تحديدا تظهر قوة الخوارزمية.
الخوارزمية لا تسأل ما القضية الأكثر أهمية للمجتمع؟ بل تستجيب لما يحقق تفاعلا أكبر. فإذا كان الناس يتوقفون عند مقطع مثير للجدل، ويعلقون عليه ويعيدون نشره، فإن هذا التفاعل يمنحه فرصة أكبر للظهور، فيتحول الموضوع من محتوى عابر إلى قضية عامة.
وبذلك قد ندخل في دائرة مغلقة:
شخص ينشر محتوى مثيرا → الناس تتفاعل → الخوارزمية تزيد انتشاره → المزيد من الناس يراه → المزيد من التفاعل → يتحول إلى ترند.
لكن الحقيقة أن الترند قد لا يكون مرآة كاملة للرأي العام، بل قد يكون أحيانا مرآة لما نجح في جذب انتباهنا.
ومن هنا لا أرى أن المشكلة في "الترند" نفسه، ولا في الناس الذين يناقشونه، المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتشار إلى مقياس للأهمية، وعندما نبدأ بالاعتقاد أن القضية الأكثر تداولا هي بالضرورة القضية التي يجب أن تحصل على أكبر قدر من الاهتمام.
والأخطر من ذلك أن عمر بعض القضايا أصبح مرتبطا بعمر الترند. اليوم نتحدث عن مهرجان، وغدا عن حادث، وبعده عن تصريح، ثم يظهر مقطع جديد فيسحب البساط من الجميع، فتنتقل الذاكرة الجماعية من قضية إلى أخرى دون أن تحصل كثير من القضايا على الوقت الكافي للنقاش أو البحث عن حلول.
هنا يأتي دور الإعلام المهني..
الإعلام لا ينبغي أن يكون مجرد نسخة أخرى من صفحات الترند. فإذا كان دوره فقط إعادة نشر ما يتصدر المنصات، فما الذي يميزه عن الخوارزمية؟
الإعلام الحقيقي هو الذي يقول للمجتمع "هذه القضية قد لا تكون ترند، لكنها مهمة." هو الذي لا يكتفي بتغطية حادثة، بل يسأل عن أسبابها، ولا يكتفي بنشر خبر عن جريمة، بل يبحث في جذورها وآثارها.
كما أن المسؤولية لا تقع على الخوارزميات وحدها. نحن جزء من هذه المعادلة. كل مشاهدة ومشاركة وتعليق وإعادة نشر لمحتوى غير موثوق تساهم في منحه عمرا أطول ومساحة أكبر.
لذلك، ربما نحتاج إلى سؤال بسيط قبل أن نضغط زر المشاركة:
هل هذا مهم فعلاً، أم أنه فقط مثير؟
فليس كل ما يستحق المشاهدة يستحق أن يحتل مساحة الرأي العام، وليس كل ما يثير الغضب يستحق أن يصبح قضيتنا الأولى.
في النهاية، لا يمكننا إيقاف الخوارزميات، ولا يمكننا منع الترندات من التأثير في اهتماماتنا. لكن يمكننا أن نقرر إلى أي حد نسمح لها بتحديد أولوياتنا.
لأن المجتمع الذي يترك للخوارزمية مهمة اختيار قضاياه، قد يجد نفسه يوما يتحدث عن كل شيء يثير الانتباه، بينما تمر القضايا التي تصنع مستقبل أبنائه بصمت.










