في المستشفى الحكومي، لا تبدأ معاناة المريض عند باب غرفة الطبيب، كما لا تبدأ ضغوط الطبيب لحظة فحصه، خلف كل موعد متأخر، وطابور طويل، وقاعة انتظار مكتظة، تقف منظومة صحية مطالبة باستيعاب أعداد متزايدة من المراجعين، بإمكانات وكوادر يفترض أن تواكب هذا الطلب.
المستشفى يفترض أن يكون المكان الذي يجد فيه المريض الرعاية في ظروف تحفظ كرامته وخصوصيته، ويستطيع فيه الطبيب أداء عمله بأفضل ما لديه،
لكن الواقع يطرح سؤالًا يتجاوز مشهد الازدحام: هل تواكب البنية التحتية والتنظيم والكوادر في المستشفيات الحكومية حجم الخدمات الطبية والطلب المتزايد عليها؟
ولا ينبغي أن يكون عمر المبنى وحده معيارًا للحكم على قدرة المستشفى؛ فهناك منشآت جرى توسيعها، وأخرى استُبدلت مبانيها القديمة، فيما أُعيد تأهيل أجزاء من منشآت قائمة، المعيار الأهم هو قدرة هذه المنشآت اليوم على استيعاب حجم الخدمات التي تقدمها وأعداد المرضى الذين تستقبلهم.
ويقدم مستشفى البشير مثالًا واضحًا على حجم التحول الذي شهدته الخدمات الصحية خلال العقود الماضية، فقد بدأ عام 1954 بطاقة بلغت 56 سريرًا، بينما تصل سعته حاليًا إلى نحو 1150 سريرًا، وبين الرقمين أكثر من سبعة عقود شهد خلالها الأردن نموًا سكانيًا، واتساعًا في الاحتياجات الطبية، وتطورًا في طبيعة الخدمات الصحية المقدمة.
لكن زيادة القدرة الاستيعابية لا تعني بالضرورة أن الضغط تراجع. فوفق الكتاب الإحصائي السنوي الأردني لعام 2024، بلغ عدد الأسرة في مستشفيات وزارة الصحة 6059 سريرًا موزعة على 32 مستشفى، في حين بلغ عدد الإدخالات إلى مستشفيات الوزارة نحو 446,498 إدخالًا خلال العام نفسه.
ومع ذلك، لا تكفي أرقام الإدخالات وحدها لقياس حجم الطلب على المستشفيات؛ فالإدخال يمثل جزءًا من حركة المرضى، بينما يراجع آلاف الأشخاص أقسام الطوارئ والعيادات الخارجية ويغادرون دون إدخال. لذلك، فإن قياس الضغط الحقيقي يتطلب النظر إلى حركة المرضى في مختلف نقاط الخدمة، لا إلى عدد الأسرة وحده.
وتكشف أقسام الطوارئ جانبًا أكثر وضوحًا من حجم هذا التدفق. ففي عام 2024، استقبل قسم الإسعاف والطوارئ في مستشفى البشير 826,575 مراجعًا، من بينهم 396,589 حالة صُنفت طارئة، أي نحو 48% من إجمالي المراجعين، وهذا يعني تدفقًا يوميًا يقترب من 2260 مراجعًا للطوارئ، بينهم أكثر من ألف حالة مصنفة طارئة في المتوسط.
لا تعني هذه الأرقام أن بقية المراجعين لم يكونوا بحاجة إلى الرعاية، لكنها تكشف حجم العبء الواقع على قسم يفترض أن يمنح الأولوية للحالات الأكثر خطورة، ومع هذا التدفق، تصبح قدرة الطوارئ على التعامل مع المرضى مرتبطة بأكثر من عدد الأسرة؛ فهي تحتاج إلى أطباء وتمريض وغرف فحص وأجهزة وفحوص مخبرية وشعاعية وخدمات مساندة تعمل معًا وفي الوقت نفسه.
وهنا يظهر أثر الضغط على الطبيب، فالطبيب يعمل ضمن وقت محدود أمام عدد كبير من الحالات، ويجد نفسه مطالبًا بتقييم المرضى بسرعة، وترتيب الأولويات، واتخاذ قرارات طبية دقيقة في ظل مناوبات طويلة وتدفق مستمر للحالات،
وفي الأقسام الأكثر ازدحامًا، لا يصبح التحدي في علاج المريض فقط، بل في الحفاظ على التركيز وجودة التواصل والقدرة على اتخاذ القرار رغم ضغط الوقت.
لكن الطبيب ليس الحلقة الوحيدة في هذه المعادلة. فتأخر فحص مخبري أو شعاعي، أو تعطل جهاز، أو عدم توفر سرير، أو بطء إجراء إداري، يمكن أن يطيل رحلة المريض ويزيد في الوقت نفسه العبء الواقع على الطبيب. فالرعاية الصحية سلسلة مترابطة؛ وكلما تعطلت إحدى حلقاتها، انعكس ذلك على بقية المسار.
لهذا، فإن تحسين الخدمات الحكومية لا يمكن أن يختزل في زيادة عدد الأطباء أو الأسرة، فالمستشفى يحتاج كذلك إلى تمريض كافٍ، ومختبرات وأشعة قادرة على الاستجابة للطلب، وصيدلية، وتعقيم، ونقل، وصيانة، ونظافة، وخدمات إدارية تعمل ضمن مسار واضح ومتكامل. فالمشكلة لا تكمن دائمًا في غياب مورد واحد، وإنما في قدرة جميع الموارد على العمل معًا بالكفاءة المطلوبة.
ولا يقل التنظيم أهمية عن الموارد المادية. فقد ينتقل المريض بين أكثر من قسم، وينتظر دوره للفحص أو التصوير أو ظهور النتائج، ثم يعود إلى الطبيب لاتخاذ القرار. وعندما تكون هذه الرحلة غير واضحة أو تفتقر إلى آليات تنظيم فعالة، يتحول الوقت الذي يفترض أن يُستخدم في تقديم الرعاية إلى وقت انتظار.
وهنا يأتي دور وعي المريض وذويه. فليس كل مراجع للطوارئ يعاني حالة طارئة، كما أن ترتيب المرضى لا يعتمد دائمًا على أسبقية الوصول، وإنما على درجة الخطورة والحاجة إلى التدخل، لكن رفع الوعي وحده لا يكفي، كما أن تحميل المريض مسؤولية الازدحام ليس حلًا؛ إذ يجب أن يرافق التوعية نظام واضح يوجه المراجع إلى المكان المناسب، ويشرح له مسار الخدمة وسبب الانتظار.
وعندما لا يكون هذا المسار واضحًا، قد يجد المريض نفسه في مواجهة مباشرة مع الطبيب، باعتباره الشخص الأقرب والأكثر حضورًا أمامه، فيحمّله مسؤولية طول الانتظار، أو عدم توفر سرير، أو تأخر الفحوص، رغم أن كثيرًا من هذه العوامل تقع خارج نطاق صلاحياته.
في المقابل، يواجه الطبيب مريضًا متوترًا وذويه القلقين في وقت قد لا يملك فيه سوى دقائق محدودة للتعامل مع الحالة،وهنا تتحول الضغوط التشغيلية إلى توتر في العلاقة الإنسانية نفسها، فيصبح الطبيب والمريض طرفين في مشكلة لم يصنعاها أصلًا.
وتزداد أهمية ذلك عندما يتعلق الأمر بخصوصية المريض وكرامته، فالبيئة الصحية الآمنة لا تعني وجود جهاز حديث أو سرير متاح فقط، وإنما تعني أيضًا أن يجد المريض مساحة مناسبة لشرح حالته وفحصه وتلقي الرعاية بعيدًا عن الازدحام والضوضاء وضيق المساحات.
وهكذا، يتحول الضغط على المستشفيات الحكومية من مشكلة تتعلق بالانتظار إلى قضية تمس جودة الرعاية وبيئة العمل وكرامة المريض في آن واحد، وهذه المستشفيات تشكل خيارًا أساسيًا لشريحة واسعة من الأردنيين، خصوصًا أن القدرة على تحمل كلفة العلاج في القطاع الخاص ليست متاحة للجميع. وكلما اتسع الاعتماد على المستشفى الحكومي، ازدادت الحاجة إلى أن تكون قدرته الاستيعابية والتنظيمية متناسبة مع حجم الطلب الواقع عليه.
لذلك، فإن معالجة الضغط لا تبدأ ببناء مبنى جديد وتنتهي بزيادة عدد الأسرة، بل تحتاج إلى قراءة المستشفى باعتباره منظومة متكاملة: بنية تحتية قادرة على الاستيعاب، وأجهزة جاهزة، وصيانة مستمرة، وخدمات مساندة فعالة، وكوادر كافية، وتنظيم واضح، ومسار خدمة يفهمه المريض والطبيب على حد سواء.
فإذا كان المريض ينتظر، والطبيب يعمل تحت ضغط، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند تحديد الطرف المسؤول عن المشكلة، بل يجب أن يتجه إلى أصلها: هل صُممت المنظومة الصحية الحالية لتستوعب حجم الطلب الذي تواجهه اليوم؟
المستشفى الناجح ليس الذي يملك أكبر عدد من الأسرة، ولا الذي يستقبل أكبر عدد من المرضى، وإنما الذي يستطيع أن يوازن بين حجم الطلب وإمكاناته، فيحمي المريض من رحلة علاجية مرهقة، ويمنح الطبيب الوقت والموارد والظروف التي تمكنه من أداء واجبه.
فحين تضيق المنظومة، لا ينتظر المريض وحده الطبيب أيضًا يدفع الثمن.










