تُشكل السنة النبوية الشريفة والسيرة النبوية العطرة منهجاً حياتياً وحضارياً انسانياً ثرياً، بما تتضمنه من تعاليم دينية ونظم وقيم متكاملة، من شأنها أن تضمن للمجتمعات تقدماً شاملاً، انطلاقاً من جوهرها القويم السمح الذي يسعى لسعادة الانسان في الدنيا والأخرة، إذ من المعلوم والمسلّم به بأن عبادة الله وعمارة الكون وفق أوامره سبحانه تعالى، هي غاية العقيدة الاسلامية ورسالة الاسلام التي حمل أمانتها الانبياء والرسل ومن آمن بهم، من هنا كانت السيرة النبوية بكل محطاتها وتفاصيلها محط إهتمام وحرص حتى اليوم، لكل من أراد النجاح والشعور بالسلامة والطمأنينة .
ولأهمية السيرة النبوية بدأ الاهتمام المبكر بها منذ القرن الهجري الأول، وعبر مرحلتين لكل منها علماء ومنهج، الأولى هي مرحلة الرواية الشفوية، والثانية مرحلة التدوين والتوثيق، لتصلنا أجزاء أو مؤلفات كاملة تحمل عناوين مثل السير والمغازي ،كما شكلت أحداث السيرة النبوية اضافة لمؤلفات متخصصة بها جزءاً وفصولاً أساسية من مؤلفات التاريخ ، وعكس هذا الاهتمام المبكر بالسيرة اعتماد مؤلفيها على منهج تدوين الأحاديث النبوية والمتمثل بالتركيز على الأسانيد (سلسلة الرواة) والمتن (الرواية والحدث)، إلى جانب الاعتماد على علم الجرح والتعديل للتثبت والتحقق من الرواة أيضاً، وهذا المنهج العلمي المتميز كان بوابة مهمة أنطلق منها المؤرخين في تدوينهم وكتابتهم للتاريخ، ليُصبح علم رصين له قواعده وادواته ومنهجه سعياً لرصد الأحداث وتسجيلها بشكل دقيق .
وبعد قرون عديدة من الكتابة التاريخية ونتاجها من الإرث الكبير من المؤلفات في مختلف مجالات العلوم الإنسانية والعلمية في حضارتنا الاسلامية، ما تزال السيرة النبوية تُشكل محوراً فاعلاً، فيما يصدر من مؤلفات على يد باحثين معاصرين، اتجه كل واحد منهم بإسلوبه وطريقته لمعالجة جوانب من السيرة النبوية التي نعيش هذه الأيام نفحات مباركة منها هي من أجلِّ محطاتها وهي ذكرى المولد النبوي الشريف. و خلال عقود أمضيتها في البحث والتدريس والتأليف في علم التاريخ ،خاصة في جانب الكتابة التاريخية والفكر الاقتصادي والحضاري، كان لي شرف المعاينة الدقيقة للمصادر الأولية للسيرة النبوية، وممن تطرق لها من الرواة والمؤرخين في القرن الثالث الهجري الذي يمكن وصفه بانه عصر الازدهار والوعي من أمثال محمد بن جرير الطبري صاحب كتاب ( تاريخ الرسل والملوك)، والذي خصصت له من جملة مؤلفاتي كتاباً عن منهجه بعنوان (الطبري المؤرخ والكتابة التاريخية )، ومن حسن الطالع ايضاً أن يتناول شقيقي الدكتور الطبيب موفق خزنة كاتبي رحمه الله، جوانب من السيرة النبوية وتحديداً المولد النبوي في كتابه ( محطة عمّان في الاربعينيات من القرن العشرين كما عشتها وعرفتها) ، هذه الحقبة المهمة في مرحلة بدايات تشكل الكتابة التاريخية الوطنية، أشار فيه الى المظاهر الدينية والاجتماعية المقترنة بهذه المناسبة العظيمة، حيث تنتشر آنذاك الزينة في أرجاء العاصمة عمّان وتقام حلقات الدرس حول المولد النبوي وقصص من السيرة في كل المساجد خاصة مسجد حي المعانية في المحطة، كما حرص الدكتور موفق على دراسة الأحاديث النبوية في كتاب مستقل عنوانه ( الموفقيات ، تسعة وتسعون حديثاً نبوياً صحيحاً)، وكما أشار في مقدمة الكتاب قائلاً :" لم أكتب كل ذلك إلا ليكون الحديث الشريف هادياً وقدوة صالحة في جميع مراحل حياة الإنسان المسلم"، فهي عبارة عميقة الدلالة تعكس مدى وعي المؤلف المعاصر الذي نحتاج، في أهمية توجيهه أدوات الكتابة التاريخية نحو غاية سامية هي فائدة المجتمع والأجيال بإمتثالهم للقيم السمحة التي تتضمنها السيرة النبوية وكل ما يصدر عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم من قول وفعل وتقرير.
إن مناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، وكجزء من الاحتفاء بها والتمسك بما جاء فيه النبي الكريم من تعاليم وقيم، تجعل من الواجب علينا كباحثين ومؤرخين الاشارة لبعض المحطات والجوانب المتعلقة بالسيرة النبوية بوصفها تعكس مرحلة وعي بالكتابة التاريخية، في وقت تحتاج فيه هذه الأجيال اليوم ووسط هذا الكم الهائل من المتغيرات والتطورات المتسارعة التي ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي وثورة الاتصال والاعلام والتكنولوجيا على انتشارها، الى التمسك بموروثها وقيمها الدينية والتاريخية والوطنية والقومية والانسانية، فالتاريخ ليس مجرد أحداث وروايات لها زمان ومكان قد مضى، بل التاريخ في حقيقته دروس وخبرات وقيم ونماذج عطاء نتطلع من الأجيال الاقتداء بها .
وبهذه المناسبة العظيمة أقول: كل عام وأمتنا الاسلامية ووطننا الغالي بالف خير وسلام .











