قبل أيام من فتح الستارة عن الدورة العادية لمجلس النواب العشرين، يبدو أن "المطبخ السياسي" للبرلمان قد انتهى من إعداد "وصفة الجاهز" للمكتب الدائم، أربع كتل نيابية، قررت اختصار المسافة على طريقة "شيلني وأشيلك"، وجلست في غرفة مغلقة لتوزيع المناصب والمكاسب، معلنةً عن تحالف ظناً منها أن معركة الرئاسة قد حُسمت قبل أن تبدأ، وأن صندوق الاقتراع تحت القبة لن يكون أكثر من "تحصيل حاصل".
والسيناريو المرسوم بدقة "الهندسة البرلمانية" قضى بأن تؤول الرئاسة لكتلة "الميثاق" مقابل توزيع "الترصيعات" الأخرى؛ فالنائب الأول لـ "مبادرة"، والثاني لـ "عزم"، فيما تُركت مقاعد المساعدين لترضية الكتل الوسطية، تحالفٌ يبدو في ظاهره متماسكاً كالبنيان المرصوص، لكنه في باطنه يحمل كل بذور "المناكفة البرلمانية" التي طالما صبغت مجالسنا بالدراما.
وكما يقال دائماً "تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن الحزبية" لم يكد حبر التوافق يجف، حتى خرج النائب المخضرم مجحم الصقور ليعلن تمسكه بالترشح للرئاسة، ضارباً بقرار كتلته (الميثاق) عرض الحائط، والصقور لم يستسلم لمعادلة "الالتزام الحزبي" التي يتغنى بها منظرو التحديث السياسي، واعتبر أن حقه الدستوري لا تلغيه "جلسات الفنادق" أو التوافقات المسبقة هذا التمرد الصريح يثبت مجدداً أن "الجينات البرلمانية" الأردنية لا تزال تميل إلى الفردية وعلاقات "البيزنس النيابي" أكثر من انصياعها للأيديولوجيا أو الانضباط الحزبي.
وعلى جبهة أخرى، يرفض النائب سليمان حويلة الزبن، مرشح كتلة "اتحاد الأحزاب الوسطية"، أن يكون مجرد "شاهد زور" على عرس الطراونة، والزبن أكد مضيه في المنافسة حتى الرمق الأخير، مرسلاً إشارات واضحة بأن "الائتلاف الرباعي" لا يملك صك الغفران النيابي، وأن المنافسة تحت القبة قد تحمل مفاجآت لا تعجب المهندسين، ورغم وضعه شرط "نضوج التفاهمات" كخط رجعة، إلا أن وقوفه في الميدان يربك حسابات التحالف ويسحب من رصيد أصواتهم المفترضة.
واليوم، تتدحرج كرة الثلج لتأخذ أبعاداً تنظيمية أعمق؛ فالاستقالات باتت "الحبل على الجرار" والمسبحة فرطت عملياً من عقد التحالف الرباعي، وتلوح في الأفق بوادر تفكك داخلي حاد يهدد تماسك حزب الميثاق والائتلاف ككل، بعد أن عبّرت قيادات حزبية عن رفضها لمنطق "الإملاءات الجاهزة" واعتبرت أن صمّام الأمان كُسر.
المشهد الحالي يضع "التحديث السياسي" في الأردن أمام مرآة الواقع الحقيقية هل نرى برلماناً تلتزم فيه الكتل بكلمتها وتصوت ككتلة واحدة صماء؟ أم أن صندوق الاقتراع السري سيعيد إنتاج "التحالفات اللحظية"، حيث تنقلب الوعود في الممرات الخلفية، وتتحكم "الفزعة" والروابط الشخصية والعشائرية بالصوت النيابي؟
الأيام القادمة ستحمل الجواب، لكن المؤكد حتى الآن أن طبخة "الائتلاف الرباعي" التي أريد لها أن تنضج بهدوء، ستواجه "بهارات حارة جداً" تحت القبة، بطلها الصقور والزبن، وربما أطراف أخرى تراقب المشهد بصمت بانتظار لحظة الصفر.


