حين يمر الوطن بمنعطفات تاريخية قاسية، وحين تُسفك دماء حراسه على ثغوره ليبقى الأمن سقفاً يظللنا جميعاً، تسقط الأقنعة تلقائياً وتنكشف "العورات الوطنية" لطبقة هجينة صنعتها الصدفة الخوارزمية، وطفت على سطح مجتمعنا الأردني تحت مسمى "المشاهير وصناع المحتوى".
لقد عشنا في الأسابيع الأخيرة حالة من "الانفصام الإعلاني" المخزي فبينما كانت قلوب الأردنيين تعتصر ألماً، وعيونهم مسمرة على شاشات الأخبار لمتابعة الأحداث الأخيرة المؤلمة على بيوت الأردنيين، كان بعض "مؤثرو الفراغ" يواصلون بث تفاصيل حياتهم المترفة؛ من استعراضات لرحلات سياحية، إلى "ستوريات" مفعمة بالضحك المصطنع لتسويق مطعم جديد أو مستحضر تجميل، بدا المشهد سريالياً ومقززاً دماءُ تسيل هنا، و"ريلز" لفتح الطرود والصراخ الهستيري هناك!
هذا "الخرس الوطني" المقيت لم يكن عفوياً، بل هو قرار تجاري مدروس بعناية فائقة هؤلاء بعض "الأصنام" الذين يملأون الدنيا ضجيجاً دفاعاً عن قضايا هامشية، ابتلعوا ألسنتهم فجأة أمام أحداث تمس السلم الأهلي وعقيدة الوطن الأمنية والسبب؟ حسابات "البزنس" الضيقة.
فالحديث في حب الوطن والدفاع عن أمنه قد يزعج جزءاً من جمهورهم العابر للحدود، أو قد يجر عليهم "بلوك" من جهة معلنة، أو ربما يُنقص من نسب تفاعل حساباتهم التي لا تنبض إلا بالسطحية والابتذال، بالنسبة لبعضهم، "اللايك" أثمن من الموقف، وعقد الرعاية أهم من كرامة الوطن.
لقد كشفت الأحداث الأخيرة للشارع الأردني حقيقة مؤلمة نحن أمام ظواهر "بلاستيكية" مشوهة، منفصلة تماماً عن واقع مجتمعها وقضاياه الأساسية هؤلاء الذين بعضهم نصبناهم "نجوماً" بفضل نقرات أصابعنا، ثبت بالوجه القاطع أنهم "فقاعات" تذوب عند أول اختبار حقيقي للوعي والانتماء، هم مجرد تجار أرقام، يتغذون على غفلة المتابعين، وحين يحتاجهم الوطن لا نجد منهم إلا الغياب والهرب وراء شاشات الصمت.
الكرة الآن في مرمى المجتمع إن استمرار متابعة هؤلاء، ودعم صفحاتهم، ومنحهم هذا النفوذ الاجتماعي بعد خذلانهم المتكرر، هو تواطؤ صريح مع السطحية لقد حان الوقت لإعادة هؤلاء الأصنام إلى حجمهم الطبيعي؛ فحملات إلغاء المتابعة والمقاطعة التجارية ليست مجرد رد فعل عاطفي، بل هي واجب وطني لتطهير فضاءنا العام، وتوجيه رسالة حاسمة من لا يملك في وقت الأزمة موقفاً يشبه شعبه، لا يستحق أن يكون له في هذا الشعب متابع واحد.


