النوايسه: أنظمة الذكاء الاصطناعي تتيح للطالب اكتشاف الإجابة بنفسه بدلًا من تقديمها جاهزة
النوايسه: الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف دور المعلم من ناقل للمعلومات إلى مصمم لخبرات التعلم
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى قطاع التعليم مجرد تطور تقني يمكن التعامل معه كأداة إضافية داخل الغرفة الصفية، بل بات يفرض تحولًا في طريقة التعلم ذاتها، من نموذج يركز على حفظ المعلومات واسترجاعها إلى نموذج يضع التفكير والتحليل والتقييم والإبداع في صلب العملية التعليمية.
ومع اتساع استخدام الأدوات الذكية، تبرز أسئلة تتعلق بمدى قدرتها على تطوير مهارات الطلبة، وكيفية توظيفها دون أن تتحول إلى وسيلة للحصول على إجابات جاهزة، فضلًا عن انعكاساتها على دور المعلم والمناهج وبيئة التعلم.
وفي ظل هذا التحول، تبرز الحاجة إلى بناء قدرة لدى الطلبة على التعامل الواعي مع مخرجات الذكاء الاصطناعي، والتحقق من المعلومات ومقارنتها بمصادر متعددة، إلى جانب توفير البنية التحتية والتدريب اللازمين للمعلمين والطلبة، ووضع إطار أخلاقي يضمن الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات.
الذكاء الاصطناعي وتحليل مستويات الطلبة
وبهذا الإطار، قال الخبير التربوي عايش النوايسه إن دخول الذكاء الاصطناعي إلى منظومة التعليم يمثل تحولًا مهمًا في أساليب التعلم والتعليم، لما أحدثه من تغيير في النموذج التعليمي التقليدي الذي كان يعتمد بدرجة كبيرة على الحفظ والتلقين واسترجاع المعلومات في الاختبارات، باتجاه نموذج أكثر تفاعلية يركز على توليد الأفكار وبناء المعرفة وتنمية مهارات التفكير العليا، وفي مقدمتها التحليل والتقييم والإبداع.
وأكد النوايسه خلال حديثه لـ"صدى الشعب"، أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تكمن في توظيفه بوصفه أداة مساندة تعزز التعلم وتمكّن الطلبة من بناء مهاراتهم، وليس بديلًا عن التفكير أو وسيلة للحصول على إجابات جاهزة.
وأشار إلى أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من التركيز على حفظ المعلومات إلى تنمية قدرة الطلبة على تقييمها، والتمييز بين المعلومات الدقيقة وغير الدقيقة، وتحليلها والاستفادة منها بصورة واعية.
وقال النوايسه إن الذكاء الاصطناعي يعد من أبرز التحولات التقنية في قطاع التعليم، إذ تتيح تقنياته تحليل مستويات الطلبة وتحديد نقاط القوة والضعف لديهم، ثم تقديم أنشطة تعليمية تتناسب مع احتياجات كل طالب.
وبيّن أن هذه الأنظمة تستطيع نقل الطالب تدريجيًا من مهارات التذكر والفهم إلى مهارات التحليل والتركيب، بما يتيح استثمار الوقت في تطوير التفكير بدلًا من تكرار ما أتقنه الطالب مسبقًا.
ولفت إلى إمكانية توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في تنمية مهارات التحليل والاستدلال من خلال طرح أسئلة متسلسلة وفق النموذج السقراطي، بما يقود الطالب إلى اكتشاف الإجابة بنفسه، ويعزز الفهم العميق والقدرة على الاستنتاج بدلًا من تقديم الإجابة بصورة مباشرة.
المحاكاة والعصف الذهني لتعزيز الإبداع
وأضاف أن هذه التقنيات توفر كذلك بيئات تعليمية قائمة على المحاكاة ودراسة الحالات، بما يمنح الطلبة فرصة لتحليل الظواهر واتخاذ القرارات ومراجعة نتائجها، الأمر الذي يسهم في تنمية مهارات الإبداع والتطبيق.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون شريكًا في جلسات العصف الذهني من خلال توليد أفكار متعددة حول قضية أو مشكلة معينة، على أن يتولى الطالب تحليل هذه الأفكار والمفاضلة بينها واختيار الأنسب منها.
وأشار النوايسه إلى أن الأنظمة الذكية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي تعمل على تحليل مستويات الطلبة وتحديد نقاط قوتهم وضعفهم، وبالتالي تصميم تعليم يتناسب مع قدراتهم واحتياجاتهم.
وضرب مثالًا على ذلك، بالطالب الذي يعاني ضعفًا في مادة الرياضيات، موضحًا أن النظام يمكن أن يقدم له تمارين إضافية بأسلوب مبسط يساعده على الفهم بصورة أفضل ويركز على معالجة نقاط ضعفه.
وبيّن النوايسه أن هذه الأنظمة يمكن أن تجعل التعليم أكثر تنوعًا وتفاعلية من خلال تعدد الوسائل والأنشطة، واستخدام الألعاب وغيرها من الأدوات التي تحفز الطلبة وتولد دافعية أعلى للتعلم.
وأضاف أن هذه الأنظمة تعتمد كذلك على التغذية الراجعة الفورية لتصحيح مسار تعلم الطلبة والتخفيف من بعض الأعباء عن المعلم، بما يتيح له التركيز بصورة أكبر على دعم عملية التعلم وتحسينها.
ولفت إلى أن توظيف الذكاء الاصطناعي يوفر كذلك مرونة أكبر في التعلم، ويخفف من قيود المكان والزمان، بما يسمح للطلبة والمعلمين بممارسة أنشطة تعليمية دون التقيد بالحصة الصفية التقليدية، ويوفر مساحة أكبر للإبداع.
وأشار إلى أن ذلك يتيح أيضًا إشراك أولياء الأمور بصورة أكبر في متابعة تعلم أبنائهم، ويدعم تعلم الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال توفير أنظمة ذكية تعتمد على الصوت والصورة وتتيح للمعلم والمتعلم قدرًا أكبر من التحكم بها.
إعادة تعريف دور المعلم
وأكد النوايسه أن تحقيق هذه الفوائد يتطلب تدريب الطلبة على الاستخدام الصحيح للذكاء الاصطناعي، من خلال إكسابهم مهارات صياغة الأوامر والاستفسارات، وتمكينهم من مهارات التفكير النقدي والتقييم.
وأوضح أن ذلك يساعد الطلبة على التعامل مع الكم الكبير من المعلومات والتحقق من دقتها وربطها بالسياق المحلي وواقعهم، بدلًا من التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية.
وشدد على ضرورة تشجيع الطلبة على تنويع مصادر المعرفة والبحث عن أكثر من مرجعية ومقارنة وجهات النظر المختلفة، بما يعزز قدرتهم على التحليل واتخاذ القرار ويرسخ لديهم مهارات التفكير النقدي.
وقال النوايسه إن هذا التحول يفرض إعادة تعريف دور المعلم، بحيث ينتقل من ناقل للمعلومات إلى مصمم لخبرات التعلم، من خلال دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات التعلم اليومية.
وأوضح أن ذلك يشمل استخدام هذه التقنيات في شرح المفاهيم الصعبة، وإعداد الأسئلة والأنشطة وأوراق العمل، وتشجيع الطلبة على طرح الأسئلة، ومراجعة الدروس، وتلخيص الأفكار الرئيسة، وتوجيه الطلبة وفق مستويات تعلمهم، سواء كانوا متفوقين أو متوسطي المستوى أو من ذوي التحصيل المتدني.
وتابع أن توظيف الذكاء الاصطناعي يتيح للطلبة التعلم وفق قدراتهم الفردية، تحت إشراف وتوجيه المعلمين، الذين تقع على عاتقهم مسؤولية تدريب الطلبة على مهارات الاستخدام المسؤول.
وأكد ضرورة التأكيد على أن أدوات الذكاء الاصطناعي وسائل مساعدة وليست بديلًا عن التفكير والتحليل الذاتي، تجنبًا للاعتماد الكلي عليها بما قد يعيق تنمية مهارات التفكير المستقل.
بنية تحتية تقنية وأنظمة تعليم ذكية
ولفت النوايسه إلى أن هذا النوع من التعليم يحتاج إلى بيئة مناسبة تشمل بنية تحتية تقنية متطورة، من بينها توفير الإنترنت عالي السرعة لضمان تشغيل الأنظمة الذكية بسلاسة.
وأشار إلى ضرورة تزويد المدارس بالحواسيب اللوحية والسبورات الذكية وأجهزة الواقع الافتراضي، إلى جانب استخدام منصات تعليمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل مستوى الطالب وتقديم محتوى مخصص.
وأكد ضرورة تدريب المعلمين على استخدام أنظمة التعليم الذكي وتطبيق أدوات مثل تحليل البيانات والتعليم التفاعلي، إلى جانب تطوير المناهج الدراسية التقليدية بما يتوافق مع الأنظمة الذكية.
وبيّن أن تطوير المناهج ينبغي أن يترافق مع استخدام تقنيات مثل الألعاب التعليمية ومقاطع الفيديو التفاعلية والاختبارات المخصصة التي تراعي القدرات الفردية للطلبة.
وأكد أن نجاح توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم يتطلب إطارًا أخلاقيًا واضحًا يرسخ قيم الأمانة العلمية واحترام حقوق الملكية الفكرية وتوثيق المصادر.
وأضاف أن ذلك يجب أن يترافق مع تنمية المهارات الرقمية والتفكير النقدي، بما يضمن توظيف هذه التقنيات بصورة مسؤولة وفاعلة داخل البيئة التعليمية.














