صدى الشعب - كتب رئيس التحرير خالد خازر الخريشا
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية ، جاءت تصريحات جلالة الملك عبدالله الثاني خلال لقائه وكالة " شينخوا الصينية " لتؤكد مجدداً أن القضية الفلسطينية ليست ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله ، بل هي جوهر الصراع في المنطقة ، وأن استمرار غياب الحل العادل سيبقي الشرق الأوسط عرضة لموجات متتالية من العنف وعدم الاستقرار.
جلالة الملك وضع القضية الفلسطينية في موقعها الطبيعي باعتبارها مفتاح الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي ، محذراً من أن استمرار الإجراءات الإسرائيلية الأحادية الجانب ، وما يرافقها من تصعيد على الأرض ، لا يقود إلا إلى تعميق الصراع وإغلاق نوافذ السلام .
ولم يكتفِ جلالته بالتأكيد على مركزية القضية الفلسطينية ، بل وصف واقع الفلسطينيين بأنه يواجه إجراءات غير مسبوقة ، في ظل تصاعد هجمات المستوطنين ، والتوسع السريع والواسع للمستوطنات غير القانونية ، والاستيلاء على الأراضي ومصادرتها ، وهدم المنازل وانتهاك حرمتها ، إلى جانب المضايقات والتحريض في الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس .
وهنا تتجلى أهمية الموقف الأردني ، فالأردن لا يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية سياسية عابرة ، وإنما باعتبارها قضية أمن واستقرار وحق تاريخي وقانوني ، فضلاً عن ارتباطها المباشر بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس .
واللافت في حديث جلالة الملك أنه لم يضع الأردن في موقع المتفرج على ما يجري ، بل أكد أن المملكة تركز على التوصل إلى تهدئة في المنطقة ، وتقوم بدورها ضمن إطار الوصاية الهاشمية ، وتعمل على إنهاء الإجراءات أحادية الجانب التي تعيق تحقيق السلام ، وصولاً إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية .
لكن الأهم أن جلالة الملك يفتح في الوقت ذاته نافذة واسعة على الدور الصيني فالصين اليوم ليست قوة اقتصادية كبرى فحسب ، بل دولة ذات ثقل سياسي ودبلوماسي متزايد ، وصوت مؤثر على المستوى العالمي ، وعضو دائم في مجلس الأمن ، وتمتلك شبكة واسعة من العلاقات مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية .
ومن هنا فإن تطلع الأردن إلى التنسيق مع بكين لا يأتي من فراغ ، بل يعكس سياسة أردنية تقوم على توسيع الخيارات الدبلوماسية ، وبناء شراكات متوازنة مع القوى الدولية ، والاستفادة من ثقل هذه القوى في الدفع باتجاه السلام .
لقد أدرك الأردن مبكراً أن العالم يتغير، وأن موازين القوة الدولية لم تعد محصورة في اتجاه واحد ولذلك فإن الانفتاح على الصين وتعميق العلاقات معها يمنح الدبلوماسية الأردنية مساحة أوسع للحركة ، ويعزز قدرتها على إيصال صوتها إلى مراكز القرار المؤثرة عالمياً .
وعندما يتحدث جلالة الملك عن الدور الحيوي للصين في تعزيز السلام والاستقرار الدوليين ، فإنه يضع أمام بكين مسؤولية سياسية تتناسب مع مكانتها الدولية ، ويشجعها على البناء على دورها المتنامي للمساهمة في الدفع نحو حل الدولتين .
إن الرسالة الملكية من بكين واضحة : لا يمكن بناء شرق أوسط مستقر بينما تبقى القضية الفلسطينية بلا حل ، ولا يمكن للسلام أن يتحقق في ظل الاستيطان ومصادرة الأراضي وتهجير الفلسطينيين والانتهاكات المتواصلة للمقدسات .
والأردن بقيادة جلالة الملك لا يبحث عن دور أكبر من حجمه ، لكنه يدرك تماماً قيمة موقعه السياسي والجغرافي والتاريخي ، ويدرك كذلك أن الحكمة في السياسة الخارجية هي أن تمتلك الدولة أكبر عدد ممكن من الخيارات ، وأن تبني علاقاتها مع مختلف القوى الدولية بما يخدم مصالحها وقضايا أمتها .
ومنذ توليه سلطاته الدستورية ، جعل جلالة الملك من القضية الفلسطينية عنواناً ثابتاً في تحركات الأردن الدبلوماسية ، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن السلام الحقيقي في المنطقة لا يمكن أن يتحقق من دون إنهاء الاحتلال ، وتجسيد حل الدولتين ، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية .
واليوم ومن بكين ، يعيد جلالة الملك التأكيد على محورية القضية الفلسطينية ، في رسالة واضحة بأن الأردن سيواصل تحركه السياسي والدبلوماسي من أجل وقف التصعيد ، وحماية المقدسات ، ورفض الإجراءات أحادية الجانب ، والدفع باتجاه حل سياسي ينهي الصراع ويحقق السلام العادل .
إن حضور القضية الفلسطينية في خطاب جلالة الملك ليس مجرد موقف سياسي، بل هو نهج ثابت في السياسة الأردنية ، تؤكده التحركات الملكية المتواصلة وعلاقات الأردن الدولية ، حيث يسعى جلالته إلى حشد الدعم الدولي للقضية الفلسطينية ، وتوسيع دائرة الدول الفاعلة القادرة على الإسهام في تحقيق السلام .
ولهذا تبقى فلسطين في قلب الدبلوماسية الأردنية ، وتبقى القدس في وجدان القيادة الهاشمية ، ويبقى هدف إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية ثابتاً لا يتغير، مهما تبدلت الظروف وتغيرت موازين السياسة في المنطقة والعالم .
ومن بكين يبعث جلالة الملك برسالة تتجاوز حدود الأردن : السلام الحقيقي يبدأ من فلسطين ، واستقرار المنطقة لن يتحقق إلا بحل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً وشاملاً، والصين قادرة ، بثقلها الدولي ، على أن تكون جزءاً مهماً من هذا المسار.













