وفي هذا السياق، قال النائب حسين كريشان، عضو لجنة الاقتصاد الرقمي والريادة النيابية، إن فكرة (مجلس النواب الرقمي)، التي أثارت تفاعلاً بين الأردنيين عقب الحديث عن (الناطق الرقمي)، يمكن أن تتجاوز إطارها الطريف لتتحول إلى نقاش جدي حول مستقبل العمل النيابي وآليات التواصل بين المواطن وممثليه.
ويؤكد كريشان لـ(صدى الشعب) أن القضية لا تتعلق باستبدال النائب بالآلة أو إحلال الذكاء الاصطناعي مكان القرار السياسي والرقابة البرلمانية، وإنما بتطوير الأدوات التي يمتلكها النائب وتمكينه من أداء دوره بصورة أكثر كفاءة، خصوصاً في مجالات التواصل مع المواطنين، ومتابعة مطالبهم، وتحليل البيانات، ودراسة التشريعات.
ويقول كريشان أن التكنولوجيا، إذا جرى توظيفها بالشكل الصحيح، يمكن أن تنقل العمل النيابي من النمط التقليدي القائم على استقبال المطالب والمخاطبات إلى نموذج أكثر تنظيماً يعتمد على إدارة الملفات ومتابعتها وقياس نتائجها.
ويشير إلى أن المواطن هو نقطة البداية في أي منظومة نيابية رقمية، موضحاً أن بالإمكان تطوير منصة أو منظومة موحدة تتيح للمواطن تقديم مطالبه ومقترحاته وشكاواه، ثم متابعة مسارها بصورة واضحة، بحيث يعرف الجهة المعنية بالملف والإجراءات التي اتخذت بشأنه والمرحلة التي وصل إليها.
ويضيف كريشان أن الفكرة لا تتوقف عند استقبال الطلب، وإنما تتطلب وجود نظام لإدارة الملف منذ لحظة تسجيله وحتى الوصول إلى النتيجة، بحيث يمكن معرفة ما إذا كان الملف (منجزاً)، أو (قيد المعالجة)، أو (متعطلاً)، مع توضيح أسباب التعثر والجهة المسؤولة عنه ضمن الأطر القانونية والإدارية المعمول بها.
ويرى كريشان أن هذا النموذج من شأنه أن يغير طبيعة العلاقة بين المواطن والنائب، إذ ينتقل العمل من مجرد نقل المطالب والمخاطبات إلى المتابعة الفعلية، ومن المتابعة إلى قياس النتائج.
ويؤكد أن تقييم أداء النائب في هذا الجانب لا ينبغي أن يرتبط بعدد الكتب التي يوجهها أو المراسلات التي يجريها، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع، لافتاً إلى أن المواطن في نهاية المطاف لا يبحث عن عدد المخاطبات بقدر ما يريد معرفة ما الذي حدث لقضيته وما إذا وصلت إلى نتيجة.
وفي الجانب التشريعي، يرى كريشان أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقدم إضافة نوعية لعمل مجلس النواب واللجان النيابية، خصوصاً في ظل الكم الكبير من مشاريع القوانين والبيانات والتقارير والدراسات التي تحتاج إلى قراءة وتحليل ومقارنة.
ويوضح كريشان أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد النواب في تحليل مشاريع القوانين، واستخراج المعلومات والمؤشرات، ومقارنة التشريعات الأردنية مع تشريعات وتجارب دول أخرى، إضافة إلى دراسة الآثار المحتملة للتشريعات من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والإدارية.
ويعتبر كريشان أن هذه الأدوات يمكن أن توفر وقتاً وجهداً كبيرين، وتمكّن اللجان النيابية من التعامل مع المعلومات بصورة أسرع وأكثر تنظيماً، إلا أنه يشدد في الوقت ذاته على أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني بأي شكل من الأشكال نقل مسؤولية القرار إلى الآلة.
ويقول كريشان إن النائب سيبقى محور العملية النيابية، باعتباره ممثل المواطن وصوته تحت قبة البرلمان، وأن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى أداة مساندة تساعد النائب على الوصول إلى المعلومات وتحليلها، فيما يبقى القرار التشريعي والرقابي مسؤولية بشرية وسياسية ودستورية.
ويؤكد كريشان أن جودة التشريع ترتبط بدرجة كبيرة بجودة المعلومات التي يستند إليها المشرّع، مشيراً إلى أن توفير أدوات حديثة لتحليل البيانات ودراسة المؤشرات يمكن أن يعزز قدرة النواب على اتخاذ مواقف أكثر دقة واستناداً إلى الأدلة.
ولا يرى كريشان أن التحول الرقمي في العمل البرلماني يجب أن يقتصر على العلاقة بين النائب والمواطن، بل يمكن أن يمتد إلى طريقة عمل اللجان النيابية وإدارة الملفات التشريعية والرقابية، بحيث تصبح البيانات متاحة بصورة منظمة وقابلة للتحليل، الأمر الذي يساعد في بناء صورة أكثر وضوحاً عن القضايا التي تشغل المواطنين.
ويلفت إلى أن تجميع وتصنيف المطالب والقضايا التي تصل إلى النواب يمكن أن يشكل مصدراً مهماً للمعلومات، إذ يمكن من خلال تحليل هذه البيانات التعرف على المشكلات المتكررة في مختلف المحافظات والقطاعات، وربطها بالأسباب التي تقف خلفها، ما يساعد مجلس النواب في تحديد أولوياته التشريعية والرقابية.
ويشير إلى أن تكرار مشكلة معينة في أكثر من محافظة أو قطاع قد يكون مؤشراً على وجود خلل يحتاج إلى معالجة على مستوى السياسات أو التشريعات، بدلاً من التعامل معه في كل مرة باعتباره حالة فردية منفصلة.
ويؤكد أن هذا هو أحد الأدوار المهمة التي يمكن أن تؤديها التكنولوجيا، ليس فقط في تسريع الإجراءات، وإنما في تحويل البيانات المتراكمة إلى معرفة يمكن الاستفادة منها في صناعة القرار.
وفي المقابل، يشدد كريشان على ضرورة أن يرافق أي تحول رقمي في العمل النيابي إطار واضح لحماية البيانات والخصوصية وأمن المعلومات، خصوصاً أن المنظومات الرقمية قد تتعامل مع بيانات شخصية وملفات تتطلب درجات عالية من الحماية.
ويرى أن نجاح أي منظومة رقمية لا يقاس بوجود تطبيق أو منصة إلكترونية، وإنما بمدى قدرتها على تقديم خدمة حقيقية للمواطن، وسهولة استخدامها، وسرعة الاستجابة من خلالها، ووضوح مسار الطلب أو الشكوى.
كما يؤكد أهمية تأهيل النواب والكوادر العاملة في المجلس للتعامل مع الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي، لأن التحول الرقمي لا يمكن أن ينجح من خلال التكنولوجيا وحدها، وإنما يحتاج إلى موارد بشرية قادرة على استخدامها وفهم إمكاناتها وحدودها.
ويشدد كذلك على ضرورة وجود مراجعة بشرية لمخرجات الذكاء الاصطناعي، وعدم التعامل مع ما تنتجه هذه الأدوات باعتباره حقيقة نهائية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتشريع أو البيانات أو القضايا التي تتطلب دقة قانونية وسياسية.
ويعتبر أن الأردن، الذي يشهد توسعاً في مسار التحول الرقمي وتوظيف الذكاء الاصطناعي في عدد من المجالات، أمام فرصة لتطوير نموذج برلماني يستفيد من هذه التقنيات، شرط أن يكون الهدف واضحاً، وأن يكون المواطن هو محور هذا التحول.
ويؤكد أن الحديث عن (مجلس النواب الرقمي) لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد شعار أو عنوان جذاب، بل يجب أن يرتبط بمشروع واضح يحدد الأدوات والأهداف وآليات المتابعة ومؤشرات قياس الأداء.
وبحسب كريشان، فإن المطلوب في المرحلة المقبلة هو الانتقال من مفهوم (رقمنة الإجراءات) إلى مفهوم أوسع يقوم على (رقمنة العمل) نفسه، بما يعني إعادة النظر في طريقة إدارة الملفات والتواصل واتخاذ القرار والاستفادة من البيانات.
ويختصر رؤيته بالقول إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الأردن يحتاج إلى (مجلس نواب رقمياً) بالاسم، وإنما ما إذا كان يريد نائباً أكثر قرباً من المواطن، وأكثر قدرة على التشريع والرقابة والمتابعة، ومدعوماً بأدوات تكنولوجية حديثة.
ويضيف أن الإجابة، من وجهة نظره، هي نعم، لأن التكنولوجيا لا يجب أن تكون بديلاً عن الدور النيابي، وإنما وسيلة لتعزيز هذا الدور، ورفع كفاءة النائب، وتسهيل وصول صوت المواطن إلى المؤسسات المعنية، وتحويل المتابعة البرلمانية إلى نتائج يمكن قياسها.
ويرى أن ما بدأ كفكرة أثارت السخرية والتفاعل يمكن أن يتحول إلى مدخل جدي لإعادة التفكير في مستقبل العمل البرلماني، خصوصاً في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك التكنولوجيا، وإنما في حسن توظيفها بما يخدم المواطن ويحافظ في الوقت ذاته على جوهر العمل النيابي ودوره الدستوري والإنساني.














