تايه: القرار المتعلق بالمدرسة قد يرتبط بالمعلم والمناهج والتقييم والبنية التحتية والبيانات والموارد
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
تدخل وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية مرحلة جديدة مع بدء العمل بهيكلها التنظيمي الجديد، الذي أعاد ترتيب وحداتها واختصاصاتها في إطار وزارة واحدة تجمع مسارات التعليم المختلفة، وتوزع مسؤولياتها على ثلاثة مسارات رئيسية يقودها ثلاثة أمناء عامين.
ويأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى إدارة تعليمية أكثر قدرة على الاستجابة للميدان، وأسرع في اتخاذ القرار، وأكثر اعتماداً على البيانات والنتائج، بما يجعل الهيكلة الجديدة اختباراً لطريقة العمل بقدر ما هي إعادة تنظيم إداري.
الهيكلة الجديدة وفرصة إعادة بناء العمل المؤسسي
وبهذا الإطار، قال الخبير التربوي فيصل تايه إن التحول الذي تشهده وزارة التربية والتعليم لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تغييراً في المسميات أو إعادة توزيع للإدارات فقط، وإنما باعتباره فرصة لإعادة بناء طريقة العمل من الداخل.
وأشار تايه خلال حديثه لـ"صدى الشعب" إلى أن قيمة أي هيكل تنظيمي تظهر عندما ينعكس على سرعة القرار ووضوح المسؤولية وقدرة الإدارة على معالجة القضايا، لا عندما يكتمل رسمه على الورق.
وأكد أن انتقال الملفات إلى إدارات جديدة لن يكون كافياً إذا بقيت الإجراءات نفسها، لافتاً إلى أن الوزارة مطالبة بالانتقال من التعامل مع الملفات باعتبارها معاملات منفصلة إلى التعامل مع القضايا التعليمية باعتبارها مشكلات تحتاج إلى فهم وتشخيص ومتابعة وقياس للأثر.
ورأى أن طبيعة الهيكل الجديد تمنح الوزارة مساحة واسعة لهذا التحول، خصوصاً مع وجود إدارات تُعنى بالتخطيط وتطوير السياسات والموارد البشرية والتمويل والبحث والتطوير والشراكات، إلى جانب إدارات البيانات والتحول الرقمي والخدمات والإدارة المدرسية والمناهج والامتحانات والتعليم العام والخاص والمهني والتقني والتعليم العالي.
وقال إن قيمة هذا التنوع لا تتحقق إذا عمل كل اختصاص بمعزل عن الآخر، وإنما عندما تتحول هذه الخبرات إلى عناصر متكاملة في صناعة القرار.
وأشار إلى أن وجود ثلاثة أمناء عامين يفرض بالضرورة مستوى مرتفعاً من التنسيق بينهم، لأن توزيع المسؤوليات لا يعني تقسيم الوزارة إلى وحدات مستقلة، موضحاً أن القضايا التي تظهر في الميدان غالباً ما تتجاوز حدود إدارة واحدة.
وأضاف أن القرار المتعلق بالمدرسة، على سبيل المثال، قد يرتبط بالمعلم والتدريب والمناهج والتقييم والبنية التحتية والبيانات والموارد في الوقت نفسه.
وأكد أن المساحات المشتركة بين المسارات الثلاثة يجب أن تكون نقطة انطلاق للعمل المشترك، لا مناطق رمادية يمكن أن تتسبب في تأخير القرار أو نقل المسؤولية من جهة إلى أخرى.
ورأى أن وجود آلية مؤسسية للتخطيط والتنسيق والمتابعة يمكن أن يسهم في معالجة هذه التقاطعات، خصوصاً في القضايا التي تتطلب مشاركة أكثر من إدارة أو أكثر من مسار.
وضوح العلاقة بين المركز ومديريات التربية
ولفت تايه إلى أهمية أن تكون العلاقة بين الإدارات المركزية ومديريات التربية والتعليم واضحة، بحيث يعرف كل مستوى ما له وما عليه، وأين تبدأ مسؤوليته وأين تنتهي، ومتى يحتاج إلى الرجوع إلى مستوى أعلى، ومتى يكون القرار من اختصاصه.
وقال إن وضوح هذه الحدود لا يعني إلغاء التنسيق، وإنما يمنع أن يتحول التنسيق إلى تعطيل أو أن يصبح تعدد الآراء تعدداً في مراكز القرار.
وأكد أن المرجعية الفنية تختلف عن المرجعية الإدارية، وهي نقطة يرى أنها ستكون حاسمة في التطبيق العملي للهيكلة.
وأوضح أن المديرية قد تحتاج إلى التعامل مع أكثر من اختصاص فني، وهذا أمر طبيعي في منظومة تعليمية معقدة، لكن وجود أكثر من رأي فني يجب ألا يؤدي إلى وجود أكثر من صاحب قرار.
التعليمات والأوصاف الوظيفية تحدد كيفية عمل الهيكل
ورأى تايه أن التعليمات التي ستحدد مهام الإدارات والمديريات والوحدات وإجراءات الاتصال والتنسيق ستكون عاملاً أساسياً في نجاح النموذج الجديد، لأن الهيكل يحدد الصورة العامة، بينما تكشف الإجراءات اليومية كيف تتحرك المعاملة والقضية والمعلومة داخل الوزارة.
وأكد أهمية وضوح الأوصاف الوظيفية، وقواعد التفويض، ومسارات الاعتماد، ومؤشرات الأداء، وآليات المساءلة.
وفي ما يتعلق بالقيادات، شدد تايه على أن المرحلة الجديدة تحتاج إلى قيادات قادرة على العمل ضمن فلسفة مختلفة، وليس فقط إلى أشخاص يمتلكون خبرة في إدارة الهياكل التقليدية.
ورأى أن الاختيار على أساس الكفاءة والخبرة والقدرة على التنسيق يجب أن يترافق مع تهيئة حقيقية للقيادات حول طبيعة الوزارة الجديدة، وحدود أدوارها، وآليات العمل المشترك، وكيفية الانتقال من إدارة الوحدة إلى إدارة القضية العابرة للاختصاصات.
وفي جانب التخطيط، أشار تايه إلى أن وجود التخطيط الاستراتيجي وتطوير السياسات والموارد البشرية والتخطيط المالي والبحث والتطوير في إطار واحد يفتح مجالاً لربط القرار بالقدرة على تنفيذه.
وقال إن السياسة التعليمية، لا تكفي وحدها، إذ يجب أن تعرف الوزارة ما تحتاجه من كوادر وموارد وتمويل وشراكات، وأن تكون قادرة على متابعة ما إذا كانت السياسة أحدثت الأثر الذي استهدفته.
البيانات والتحول الرقمي.. من التقارير إلى صناعة القرار
وأعطى تايه للبيانات والتحول الرقمي أهمية خاصة في النموذج الجديد، مؤكداً أن المطلوب ليس إنتاج المزيد من التقارير، وإنما استخدام المعلومات لفهم الواقع.
وقال إن البيانات يمكن أن تكشف مناطق التفاوت، وتساعد في تحديد الاحتياجات، وتكشف المشكلات المتكررة، وتوفر أساساً لتوجيه الموارد.
وأضاف أنه عندما تبقى البيانات في شكل جداول وتقارير لا تدخل في صناعة القرار، فإن قيمتها المؤسسية تبقى محدودة.
وفي المقابل، أشار إلى أن البيانات وحدها لا تكفي، لأن الميدان يمتلك معرفة لا يمكن للنظام الرقمي أن يوفرها بمفرده.
وأوضح أن المدرسة والمعلم ومدير التربية يرون تفاصيل يومية قد لا تظهر في المؤشرات الكلية، ولذلك فإن الاستفادة من الهيكلة الجديدة تتطلب علاقة أكثر نضجاً بين المركز والميدان، يكون فيها الميدان شريكاً في فهم المشكلة، وليس مجرد جهة تتلقى التعليمات.
وقال تايه إن هذا الأمر يظهر بوضوح في الإدارات المرتبطة بشؤون المدارس، حيث تتقاطع الأبنية والمشاريع والصيانة مع شؤون المعلمين والطلبة والتدريب والإشراف والإرشاد وضمان الجودة، ثم تتصل هذه الملفات بالمناهج والاختبارات والامتحانات والكتب المدرسية.
وأكد أن التعامل مع المشكلة التعليمية بهذه الصورة المتكاملة يمكن أن يمنع معالجة الأعراض وترك الأسباب.
توحيد مظلة التعليم وربط مراحل التعلم بسوق العمل
وأضاف أن توحيد مظلة التعليم يتيح أيضاً فرصة للنظر إلى رحلة المتعلم بصورة أكثر ترابطاً، من التعليم المبكر إلى التعليم العام، ومن التعليم المهني والتقني إلى التعليم العالي، مع حضور التعليم الخاص والتعليم غير النظامي ضمن الصورة نفسها.
ورأى أن هذه العلاقة يمكن أن تساعد في معالجة واحدة من القضايا الأساسية في التعليم، وهي الانتقال بين المراحل والمسارات وربط المخرجات بالمهارات واحتياجات سوق العمل.
وفي مسألة التفويض، رأى تايه أن نقل الصلاحية إلى مديريات التربية لا يعني بالضرورة تحقيق اللامركزية إذا لم يصاحبه تمكين فعلي.
وقال إن الميدان يحتاج إلى المعلومة والأداة والموارد، كما يحتاج إلى حدود واضحة للصلاحية، حتى يصبح قادراً على اتخاذ القرار ومحاسباً على نتائجه في الوقت نفسه.
وأكد أن التفويض الذي لا ترافقه قدرة تنفيذية قد ينقل المشكلة من المركز إلى الميدان بدلاً من أن يحلها.
واعتبر تايه أن أحد التحولات المطلوبة هو تغيير مفهوم المتابعة نفسها، موضحاً أن المتابعة لا ينبغي أن تنتهي عند معرفة ما إذا كان القرار قد نُفذ، وإنما يجب أن تبحث في النتيجة التي حققها.
وأوضح أنه إذا تكرر الخلل، فقد يكون وراءه إجراء يحتاج إلى تعديل، أو سياسة تحتاج إلى مراجعة، أو فجوة في التدريب، أو نقص في الموارد، مشيراً إلى أن الوزارة هنا تنتقل من إدارة الحالات إلى معالجة الأسباب.
التعلم المؤسسي ودورة مستمرة لصناعة القرار
ورأى تايه أن هذه الطريقة في العمل تجعل المتابعة مصدراً للتعلم المؤسسي، بحيث لا تختفي نتائج التنفيذ بمجرد انتهاء البرنامج أو صدور التقرير، وإنما تعود إلى دائرة التخطيط وصناعة السياسة.
وقال إن القرار يصبح، بهذه الطريقة، جزءاً من دورة مستمرة تبدأ بالمعرفة، ثم التخطيط، ثم التنفيذ، ثم قياس النتائج، ثم مراجعة القرار على ضوء ما حدث في الواقع.
وأكد تايه أن هذا المسار ينسجم مع الأولويات التي تركز عليها الاستراتيجية الوطنية للتعليم 2026–2030، خصوصاً في مجالات الجودة والحوكمة والتحول الرقمي وتحسين الانتقال بين المراحل ومواءمة التعليم مع سوق العمل.
وأشار إلى أن التحدي لا يتمثل في إنتاج خطط جديدة بقدر ما يتمثل في القدرة على تحويل الأولويات إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وموارد مرتبطة بها، ومؤشرات تقيس أثرها.
وخلص تايه إلى أن الاختبار الحقيقي للوزارة الجديدة لن يكون في اكتمال الهيكل التنظيمي وحده، وإنما في الأسئلة التي سيجيب عنها هذا الهيكل في الحياة اليومية.
وأكد أن الوزارة الجديدة تملك فرصة للانتقال من نموذج يقوم على إدارة الملفات إلى نموذج يقوم على فهم القضايا وصناعة الحلول، شرط ألا تبقى الهيكلة منفصلة عن أدوات العمل والثقافة المؤسسية.
وقال إن نجاح التحول يبدأ عندما تصبح المعرفة أساس القرار، ويصبح الميدان مصدراً للمعلومة والتغذية الراجعة، وتصبح النتائج أساساً للمراجعة، ويصبح التنسيق وسيلة لحل القضايا المشتركة لا مجرد إجراء إداري.
ويرى تايه أن القضية في النهاية ليست أن تكون لدى الوزارة إدارات أكثر تنظيماً فحسب، وإنما أن تصبح أكثر قدرة على فهم منظومة التعليم، وأوضح في صناعة القرار، وأسرع في الاستجابة، وأكثر دقة في قياس ما تحقق.














