أما 31 آب، فهو بالنسبة لي أكثر من تاريخ لميلادي؛ هو تاريخ حمل منذ طفولتي معنىً خاصًا، فقد كنت أعتز بأن يوم ميلادي يصادف ذكرى ميلاد جلالة الملكة رانيا العبدالله.
في طفولتي، كانت المسألة بالنسبة لي مصادفة جميلة أرويها بفخر، وكنت أقول لمن حولي: ميلادي في نفس يوم ميلاد الملكة رانيا.
ومع مرور السنوات، تغيّر معنى هذه المصادفة في داخلي؛ فلم يعد الأمر متعلقًا بتطابق التاريخ فحسب، بل أصبح مناسبة أتأمل من خلالها في مسيرة شخصية أردنية تركت حضورًا واضحًا في مجالات التعليم والطفولة والمرأة وتمكين الإنسان، وحملت اسم الأردن إلى مساحات واسعة من الاهتمام الدولي.
التعليم.. استثمار في الإنسان وصناعة للمستقبل
من أبرز المجالات التي ارتبطت بمبادرات جلالة الملكة رانيا واهتماماتها التعليم، انطلاقًا من رؤية تؤكد أن نهضة الأوطان تبدأ من بناء الإنسان، وأن الاستثمار في المعرفة هو أحد أكثر الاستثمارات أثرًا واستدامة.
وقد حظي تطوير التعليم، ودعم المعلمين، وتحسين البيئة التعليمية، وتوسيع الفرص أمام الطلبة، باهتمام بارز ضمن المبادرات التي دعمتها جلالتها، في إيمان بأن التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة، وإنما يسهم في بناء الشخصية، وإطلاق الطاقات، وإعداد أجيال أكثر قدرة على التعامل مع تحولات العصر.
وفي زمن تتسارع فيه التكنولوجيا وتتغير فيه طبيعة العمل والمهارات المطلوبة، يصبح الاستثمار في الإنسان أكثر إلحاحًا؛ فالأردن، الذي لا يمتلك وفرة من الموارد الطبيعية، يمتلك موردًا لا ينضب حين يحسن استثماره: العقل الأردني والإنسان الأردني.
حين يحمل الحضور الدولي اسم الأردن
لم يتوقف حضور جلالة الملكة رانيا عند القضايا المحلية، بل امتد إلى ساحات دولية متعددة، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالتعليم والطفولة والمرأة والتنمية.
ومن خلال هذا الحضور، برزت صورة الأردن كدولة تؤمن بأن الإنسان هو محور التنمية، وأن التعليم بوابة المستقبل، وأن تمكين المرأة وتعزيز دور الشباب يمثلان ركيزة من ركائز بناء المجتمعات القادرة على مواجهة تحدياتها.
فالحضور الدولي لا يقتصر على المشاركة في الفعاليات والمنصات، بل يتصل أيضًا بالقدرة على تقديم صورة الوطن وقيمه وتجربته إلى العالم.
وفي هذا السياق، أسهم حضور جلالة الملكة في إبراز نموذج للمرأة الأردنية والعربية يجمع بين المعرفة والحضور الإنساني والقدرة على الحوار والتأثير، مع الاعتزاز بالهوية والجذور والقيم.
المرأة الأردنية.. حكاية عطاء لا تنقطع
وحين نستحضر مسيرة جلالة الملكة رانيا في قضايا المرأة والطفل والتعليم، فإننا نستحضر معها صورة المرأة الأردنية التي كانت، وما زالت، شريكًا أساسيًا في مسيرة بناء الدولة والمجتمع.
فالمرأة الأردنية حاضرة في كل ميادين الحياة؛ في المدرسة والجامعة والمستشفى، وفي المختبر ومواقع العمل والإدارة، وفي ريادة الأعمال والعمل العام، وفي كل مساحة تصنع فيها المعرفة والإرادة فرقًا حقيقيًا.
هي الأم التي تبني الإنسان قبل أن يبني الوطن، والمعلمة التي تزرع المعرفة، والطبيبة التي تمنح الأمل، والمهندسة التي تشارك في البناء، والباحثة التي تنتج المعرفة، ورائدة الأعمال التي تخلق الفرص، والقيادية التي تتحمل المسؤولية.
ومن هنا، فإن تمكين المرأة ليس مجرد شعار، بل هو استثمار في طاقة وطنية قادرة على الإسهام في التنمية وصناعة المستقبل.
31 آب.. حين تتحول ذكرى الميلاد إلى سؤال عن الأثر
اليوم، وأنا أستقبل يوم ميلادي، أتذكر ذلك الطفل الذي كان يشعر بسعادة خاصة حين يعرف أن تاريخ ميلاده يوافق ذكرى ميلاد جلالة الملكة رانيا العبدالله.
كان ذلك الفخر بسيطًا وعفويًا.
أما اليوم، فقد أصبح أكثر نضجًا.
ولذلك، فإن أمنيتي في يوم ميلادي ليست أن يضاف عام آخر إلى عمري فحسب، وإنما أن يكون عامًا جديدًا من العطاء، والعمل، والإنجاز، وترك الأثر.
من مصادفة في الطفولة إلى قيمة في الوجدان
في 31 آب، أحتفل بيوم ميلادي، وأستعيد ذكرى رافقتني منذ الطفولة.
لكنني اليوم لا أراها مجرد مصادفة في روزنامة الأيام، بل مناسبة أستحضر فيها قيمًا أؤمن بها: العلم، والتعليم، والعطاء، وتمكين الإنسان، والاعتزاز بالوطن، والإيمان بقدرة الأردني والأردنية على صناعة الإنجاز.
وفي ذكرى ميلاد جلالة الملكة رانيا العبدالله، أتمنى لجلالتها دوام الصحة والعافية، وأن تبقى مسيرتها في خدمة قضايا التعليم والإنسان والمرأة والطفولة مصدر إلهام للأجيال.
وكل عام والأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه، أكثر قدرة على صناعة مستقبله، وأكثر اعتزازًا بمنجزه وهويته.
وكل عام والمرأة الأردنية حاضرة في ميادين الإنجاز، تحمل طموحها، وتثبت حضورها، وترفع اسم وطنها في كل موقع.
أما أنا، فأدخل عامًا جديدًا من عمري وأنا أكثر يقينًا بأن:
العمر لا تقاس قيمته بعدد السنوات التي نعيشها، وإنما بحجم الأثر الذي نتركه فيها.
31 آب.. يوم ميلادي، وتاريخ أعتز به منذ الطفولة، وذكرى تمنحني في كل عام فرصة جديدة لأتساءل: ماذا سأترك خلفي؟
فالوطن يستحق منا أن نترك أثرًا يليق به،
والإنسان يستحق أن نمنحه الأمل،
والعلم يستحق أن نحوله إلى عمل،
والعمر يستحق أن نملأه بالعطاء.
وطنٌ نعتز به، وقيادةٌ هاشمية نؤمن بمسيرتها، وإنسانٌ أردني يستحق مستقبلًا يليق بطموحه. 🇯🇴













