من الدخان، يرفع إنسان هاتفه ليوثّق لحظة يعتقد أنها يجب ألّا تُنسى. قد تكون بيتاً ينهار، أو أمّاً تبحث عن طفلها، أو رجلاً يحمل ما تبقّى من حياته في حقيبة صغيرة. يضغط زر التسجيل، فتنتقل المأساة خلال ثوانٍ من شارع منكوب إلى ملايين الشاشات.
بين اللحظة التي وقعت فيها واللحظة التي ظهرت فيها على هواتفنا، عبرت الصورة أبواباً لا نراها.
فَحَصتها الخوارزميات، وقارنتها بملايين المنشورات، وقاست قدرتها على جذب الانتباه، ثم قرّرت إن كانت ستدفع بها إلى الواجهة، أو تتركها تغرق في قاع رقمي لا يزوره أحد.
هنا يبدأ التساؤل: من يختار ما سيتذكّره العالم؟ هل يصنع الذاكرة مَن عاش الحدث؟ أم مَن صوّره؟ أم الصحافي الذي نشره؟ أم المنصّة التي سمحت له بالانتشار؟ وهل سيبقى من تاريخنا ما حدث فعلاً، أم ما اختارت الخوارزميات أن تعرضه علينا؟
منذ أن عرف الإنسان الحكاية، حاول أن يهزم بها النسيان.
وقبل أن توجد الكاميرا، كان ثمة راوٍ يحفظ أسماء الغائبين، وشاعر يردّ عن القبيلة موتها الثاني، وكاتب يلتقط من بين أنقاض الوقائع ما تعجز السجلات الرسمية عن رؤيته. لم يكن الأدب شاهداً محايداً على التاريخ. لقد كان ذاكرته الخفيّة.
كان التاريخ، على الرغم من كل ما شابه من انحياز، يُكتب في السجلات والكتب والصحف، ويُحفظ في المكتبات والأرشيفات والمتاحف. وكانت سلطة اختيار ما يستحق البقاء موزّعة بين المؤرخين والكتّاب والمؤسسات والدول. وفي موازاة التاريخ الرسمي، كان الأدب يكتب تاريخاً آخر: تاريخ الخائفين والمشرّدين والعابرين الذين لم تدخل أسماؤهم دفاتر المنتصرين.
أما اليوم، فقد انتقلت مساحة واسعة من سلطة الاختيار إلى أنظمة رقمية لا تعرف التاريخ ولا تفهم الألم. فالخوارزمية لا تتذكّر ولا تنسى بالمعنى الإنساني؛ إنها ترتّب الظهور وفق معايير التفاعل والانتشار والوقت الذي يمضيه المستخدم أمام الشاشة.
هناك ضحايا عرف العالم أسماءهم، وآخرون ماتوا من دون أن يعبروا شاشة واحدة.
هناك صورة اختصرت حرباً كاملة، فيما بقيت آلاف الصور خارج الوعي العام.
وهناك شهادة صادقة لم يسمعها أحد، لأن صاحبها لم يمتلك جمهوراً، أو اتصالاً جيداً بالإنترنت، أو معرفة بقواعد المنصّة.
لكن الأدب، في جوهره، يبدأ غالباً من تلك المساحة التي تنتهي عندها عدسة الكاميرا.
إنه ينحاز إلى الهامش، ويمنح المجهول اسماً، والعابر ملامح، والصامت صوتاً.
لا يبحث الكاتب الحقيقي عن أكثر الوجوه قابلية للانتشار، بل عن الوجه الذي يختصر إنسانية كاملة، ولو لم يره سواه.
في الأزمنة السابقة، كان وصول صورة واحدة من ساحة حرب حدثاً قادراً على هزّ الرأي العام.
أما اليوم، فنحن نستقبل الحرب على شكل سيل متواصل لا يمنحنا وقتاً كافياً للحزن، ولا مساحة لفهم ما رأيناه.
الخطر هنا هو أننا نرى أكثر مما نستطيع أن نستوعب. فحين تتكرر مشاهد الموت، قد تتحول الصدمة إلى عادة. وحين تصبح المأساة مادة يومية، يبدأ العقل بحماية نفسه من خلال الانسحاب العاطفي. نمرّ أمام الوجوه بسرعة، ونَعِد أنفسنا بأننا سنعود إلى قراءة القصة لاحقاً، ثم يصل حدث جديد يمحو أثر سابقه.
هنا يستعيد الأدب ضرورته، فالأدب يبطئ ما تسرّعه الشاشة، ويعيد إلينا قدرتنا على التوقّف أمام وجه واحد وحكاية واحدة.
إنه ينتشل الإنسان من زحام الأرقام، ويعيد إليه اسمه وبيته وعاداته الصغيرة.
وحين تفقد الصورة قدرتها على إدهاشنا، قد تنجح جملة صادقة في اختراق المسافة التي نشأت بيننا وبين الألم.
لقد منحت الهواتف الضحايا قدرة غير مسبوقة على مخاطبة العالم مباشرة، لكنها وضعت شهاداتهم في سوق مزدحم يتنافس فيه الألم على الانتباه.
قد تكون إحدى وظائف الأدب اليوم هي مقاومة الاستهلاك السريع للمأساة؛ ألّا يسمح للألم بأن يتحول إلى مشهد عابر، ولا للضحية بأن تصبح مادة بصرية، ولا للحرب بأن تُختزل في مقاطع متفرقة لا رابط بينها.
كانت العبارة الشائعة تقول إن الصورة لا تكذب، أما اليوم، فلم تعد الصورة وحدها تكفي لإثبات الحقيقة. فقد أتاح الذكاء الاصطناعي إنتاج مشاهد شديدة الإقناع لأحداث لم تقع، وتعديل صور حقيقية، واستبدال الأصوات والوجوه، وصناعة تسجيلات يصعب على المشاهد العادي التحقق منها. وهكذا، ندخل مرحلة تغرق فيها الحقيقة بين احتمالات لا تنتهي.
إن ترك ذاكرة الشعوب داخل خوادم شركات عابرة للقارات هو تنازل ثقافي طويل الأمد.
فالذي يملك الأرشيف لا يملك الماضي وحده، إنما يملك أيضاً القدرة على تحديد ما يمكن استعادته منه. وهنا نجد أنفسنا أمام تاريخ غير متوازن، تصنعه قابلية الحدث للتسويق أكثر مما تصنعه أهميته الإنسانية.
لطالما كانت الحروب صراعاً على الأرض، لكنها كانت أيضاً صراعاً على الرواية.
كل طرف يريد أن يسمّي الأشياء، ويحدّد بداية الحكاية، ويختار الصور التي تخدم تفسيره للأحداث.
في هذا الصراع، لا يقف الأدب خارج المعركة.
تسمية الأشياء فعل أدبي وسياسي في آن واحد. هل نسمي ما يحدث حرباً أم كارثة أم اقتلاعاً أم منفى؟ هل نصف الإنسان بأنه لاجئ أم نازح أم ابن مكان حُرم منه؟
يمكن لمقطع مجتزأ أن يسبق تحقيقاً صحافياً كاملاً.
ويمكن لخبر كاذب أن يبلغ ملايين الأشخاص قبل أن تتمكن الحقيقة من ارتداء حذائها.
غير أن الأدب لا يعمل بمنطق السباق ذاته، قد يصل متأخراً، بعد أن تنطفئ الكاميرات وتغادر طواقم الأخبار، لكنه يصل إلى الأماكن التي لم تبلغها العناوين العاجلة.
إن حماية الذاكرة الرقمية العربية لا تتحقق بالحنين إلى زمن الصحيفة والكتاب، ولا برفض التكنولوجيا التي منحت المهمشين قدرة غير مسبوقة على الكلام. المطلوب هو بناء علاقة أكثر وعياً مع الأدوات التي نستخدمها.
نحتاج إلى أرشيفات عربية مستقلة تحفظ الصور والشهادات في نسخ متعددة، وتثبت مصادرها وتواريخها وسياقاتها.
نحتاج إلى مؤسسات ثقافية وجامعات ووسائل إعلام تتعامل مع المحتوى الرقمي بوصفه مادة تاريخية، لا خبراً يجني أرباحاً ثم يُنسى.
ونحتاج أيضاً إلى الأدباء؛ إلى روائيين وشعراء وكتّاب يوميات ومسرحيين لا يكتفون بمراقبة التاريخ من بعيد، بل ينصتون إلى الأصوات التي يكاد ضجيج العالم يخنقها.
أما المستخدم، فليس متلقياً بريئاً تماماً.
كل مشاركة هي مساهمة في تشكيل الذاكرة، وكل امتناع عن نشر مادة زائفة هو فعل حماية، وكل حفظ لشهادة موثوقة خارج المنصة قد يكون إنقاذًا لجزء من التاريخ.
سيأتي يوم يحاول فيه أبناؤنا فهم هذا الزمن. سيفتحون الأرشيفات، ويبحثون في الصور والمنشورات والتسجيلات عن إجابة للسؤال القديم:كيف عاش الناس كل هذا؟
لكنهم لن يبحثوا عن الوقائع وحدها، سيبحثون عمّا شعر به الناس، عن الرسائل التي كتبوها، والقصائد التي ردّدوها، والروايات التي احتموا بها، والأغاني التي جعلت المنافي أقل وحشة.
لهذا، فإن معركتنا اليوم ليست على حقنا في الكلام فقط، بل على حق كلماتنا في البقاء. وليست على أن يرى العالم ما يحدث الآن فحسب، بل على أن يتذكّره غداً كما حدث، لا كما اختارت له الشاشات أن يكون.
فالشعوب لا تفقد تاريخها حين تُحرق كتبها وحدها، بل حين تتوقف عن رواية نفسها، ولعل الأدب كان، منذ الحكاية الأولى، طريقتنا الأجمل في مقاومة ذلك الزوال.

