بل أصبح بالفعل قرية صغيرة تتناقل فيها المعلومة خلال ثوانٍ، وتتداخل فيها السياسة بالإعلام، والأمن بالتكنولوجيا، وصناعة القرار بالرأي العام. وفي هذا العالم المتسارع، لم يعد الإنكار أو الصمت تجاه الأحداث المحلية والإقليمية مجديًا، بل أصبح ترك الساحة الإعلامية فارغة دعوةً للآخرين لملئها برواياتهم وتفسيراتهم.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى امتلاك رواية أردنية واضحة ومتزنة وفاعلة تشرح ما يحدث، وتضع الأحداث في سياقها، وتتعامل مع الحملات الإعلامية والإشاعات والتضليل بوعي وسرعة ومسؤولية، بما يحافظ على منظومة الأمن الوطني الشامل ويقلل من كلفة الأزمات وتداعياتها.
لقد أصبح الإعلام الرقمي اليوم أكثر من مجرد وسيلة لنقل الأخبار؛ إنه أحد ميادين الصراع على الوعي والإدراك وصناعة المواقف. وفي زمن العواصف الرقمية، لم تعد الدول مخيّرة بين الحضور والغياب؛ فإما أن تقدم روايتها، وتحمي سرديتها، وتشرح مواقفها، أو تترك فراغًا سرعان ما يملؤه الآخرون.
وفي هذا السياق، لفت انتباهي العمل البحثي الرصين للباحث رمزي موسى الريحاني، الموسوم بعنوان «الإعلام الرقمي والقرار الدبلوماسي»، والذي أهداني نسخة منه. وهو جهد بحثي يستحق التقدير؛ لأنه يقتحم مساحة معرفية لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث العربي الجاد، ويضع العلاقة بين الإعلام الرقمي والدبلوماسية وصناعة القرار تحت المجهر.
يقدّم الريحاني في هذا العمل نفسه كباحث يمتلك رؤية استشرافية تتجاوز توصيف الواقع إلى محاولة فهم ما ينتظرنا. فهو لا يتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها أدوات محايدة، بل يناقش تأثيرها المباشر في مفاهيم السيادة، وصناعة القرار، وإدارة الأزمات، وتشكيل الرأي العام.
ومن أبرز ما يلفت في الكتاب انحيازه الواضح إلى مفهوم الدولة الوطنية والقرار السيادي في مواجهة النفوذ المتزايد للشركات والمنصات الرقمية العابرة للحدود. فالمعركة لم تعد فقط حول من يمتلك المعلومة، وإنما حول من يمتلك القدرة على توجيهها وتفسيرها وصناعة الإدراك من خلالها.
وهنا يطرح الكتاب مفهومًا بالغ الأهمية هو «صناعة الإدراك». فالحروب الحديثة لم تعد تُخاض بالأسلحة التقليدية وحدها؛ إذ أصبح بالإمكان صناعة واقع افتراضي كامل عبر الصورة والخبر والخوارزمية، بحيث يصل تأثيره إلى الشارع، ثم إلى مؤسسات الدولة، وربما إلى طاولة صانع القرار نفسه.
إنها حرب جديدة، لا تستهدف الأرض وحدها، بل تستهدف العقل والوعي والثقة.
ويكتسب الفصل الحادي عشر، المتعلق بـ «وهم الموضوعية في الذكاء الاصطناعي»، أهمية خاصة؛ لأنه يطرح سؤالًا يتجاوز التقنية إلى جوهر الإنسان: إلى أي مدى يمكن أن نمنح الآلة دورًا في صناعة قرارات ترتبط بالتاريخ والسياسة والمصالح الوطنية؟
فالذكاء الاصطناعي قد يمتلك القدرة على تحليل كميات هائلة من البيانات، لكنه لا يمتلك وحده حكمة الإنسان، ولا تجربته التاريخية، ولا حسّه بالمسؤولية والانتماء. ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس في مواجهة التكنولوجيا، وإنما في توظيفها دون أن نفقد الإنسان داخلها.
كما يحسب للريحاني تناوله للعلاقة بين السينما والدبلوماسية والقرار العسكري، وإضاءته على مفهوم القوى الناعمة ودورها في تشكيل الصورة الذهنية للدول، والتأثير في الرأي العام، وصناعة القبول أو الرفض تجاه سياسات وقرارات قد تتجاوز حدود الدولة نفسها.
ومن هنا، فإن قيمة هذا الكتاب لا تكمن في كونه دراسة أكاديمية فحسب، بل في كونه محاولة لبناء خارطة طريق لفهم الاشتباك الرقمي الجديد.
فالكتاب جدير بأن يكون على طاولة الدبلوماسي والسفير لفهم قواعد التأثير الجديدة وحماية السردية الوطنية في المحافل الدولية، وعلى طاولة صانع القرار الأمني والإعلامي لفهم مخاطر التضليل وحروب الإدراك، كما يستحق أن يكون مادة بحثية أمام الأكاديميين والباحثين والشباب الجامعي، خصوصًا في ظل التقاطع المتسارع بين التكنولوجيا والسياسة والإعلام والأمن.
إننا أمام عالم لم تعد فيه القوة تقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات وحجم الاقتصاد، بل أصبحت هناك قوة أخرى لا تقل أهمية: قوة المعلومة، وقوة الصورة، وقوة الرواية، وقوة المعنى.
وهذا تحديدًا ما أدركه رمزي الريحاني في كتابه؛ أن معركة القرن الحادي والعشرين لن تكون على الأرض وحدها، وإنما ستكون أيضًا على الوعي، وعلى الحقيقة، وعلى من يمتلك القدرة على رواية قصته قبل أن يرويها الآخرون نيابةً عنه.
وفي زمن أصبحت فيه الشاشة جزءًا من ميدان المعركة، فإن امتلاك رواية وطنية واعية لم يعد خيارًا إعلاميًا، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الوطني والسيادة وصناعة القرار.














