صدى الشعب - كتبت هيلدا عجيلات
أثارت الفقرة هـ المضافة إلى المادة (21) من مشروع القانون المعدل لقانون الجامعات الأردنية لسنة 2026 جدلًا واسعًا داخل مجلس النواب وخارجه، ليس بسبب مضمونها فقط، وإنما بسبب الإجراء الذي رافق إقرارها، والذي فتح بابًا للتساؤل حول نزاهة آليات وحوكمة اتخاذ القرار داخل مجلس النواب!
وتتعلق هذه الفقرة بالحوافز التي تُصرف لأعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية في الجامعات الرسمية من الرسوم المحصلة من بعض البرامج الأكاديمية. وخلال الجلسة، وافق المجلس في البداية على تعديل يقضي بتوسيع مصادر هذه الحوافز لتشمل الرسوم المحصلة من البرنامج الموازي، والبرنامج الدولي، وبرامج الدراسات العليا، وأُعلنت نتيجة التصويت، بما أوحى بأن المجلس قد حسم موقفه من هذه الفقرة!
إلا أن المشهد البرلماني شهد تطوراً لافتاً في نهاية الجلسة، عندما صوّت المجلس بالأغلبية على إعادة فتح الفقرة هـ من المادة (21)، ثم أعاد التصويت على مضمونها، لتنقلب النتيجة ويُعتمد النص الذي أوصت به لجنة التربية والتعليم النيابية، والذي يقصر صرف الحوافز على نسبة من الرسوم المحصلة من البرنامج الموازي والبرنامج الدولي عن برنامج البكالوريوس فقط، مع النص صراحة على منع صرف أي حوافز عن الدراسة الخاصة، أو برامج الدراسات العليا، أو برامج الاتفاقيات.
وهنا لا تكمن القضية في أي النصين أفضل، ولا في الجهة المستفيدة من هذا التعديل أو ذاك، وإنما في مبدأ دستوري وبرلماني أكثر أهمية، وهو استقرار القرار التشريعي واحترام الإجراءات التي تُتخذ من خلالها القرارات.
فمن الناحية الإجرائية، لم يكن ما جرى مجرد إعادة مباشرة للتصويت على الفقرة، وإنما سبقته موافقة المجلس بالأغلبية على إعادة فتحها، ثم جرى التصويت مجددًا على مضمونها. وهذه نقطة جوهرية، لأن إعادة فتح الفقرة كانت بقرار من المجلس نفسه، وليس بقرار منفرد من رئيس الجلسة، وهو ما ينسجم مع الأصل الدستوري القاضي بأن قرارات مجلس النواب تصدر بأكثرية أصوات الأعضاء الحاضرين.
ومع ذلك، فإن هذه الواقعة تثير نقاشاً قانونياً مشروعاً، إذ إن النظام الداخلي المنشور لمجلس النواب لا يتضمن نصاً عاماً وصريحاً يبين الحالات التي يجوز فيها إعادة فتح مادة سبق أن حُسمت خلال الجلسة، أو يحدد الضوابط الإجرائية لذلك بصورة لا تحتمل اختلاف التفسير. ومن هنا، فإن التساؤل لا ينصب على مشروعية النتيجة، بقدر ما ينصب على الحاجة إلى قواعد أكثر وضوحاً تحكم مثل هذه الإجراءات …
إن ما حدث في تلك الجلسة دفع كثيرين إلى التساؤل: ما الذي استوجب إعادة فتح الفقرة بعد إعلان نتيجة التصويت الأولى؟ وهل أصبحت الإجراءات الناظمة لمثل هذه الحالات بحاجة إلى مزيد من الوضوح حتى لا تبقى محل اجتهاد أو تأويل؟
هذه ليست أسئلة تشكيكية، بل هي أسئلة طبيعية في دولة تقوم مؤسساتها على سيادة القانون والشفافية. فالمواطن لا يراقب فقط ما يقرره البرلمان، بل يراقب أيضاً كيف يتخذ قراراته … واحترام الإجراءات ليس مسألة شكلية، بل هو الضمانة الأساسية لسلامة التشريع، وحماية إرادة الأغلبية، وصون حقوق الأقلية في الوقت ذاته.
لقد انتهى المجلس إلى اعتماد النص الذي يستبعد صرف الحوافز عن برامج الدراسات العليا، والدراسة الخاصة، وبرامج الاتفاقيات، ويقصرها على البرنامج الموازي والبرنامج الدولي لمرحلة البكالوريوس. وهذه هي النتيجة التي استقر عليها مشروع القانون في مجلس النواب، مع الإشارة إلى أن المشروع لا يزال يمر بمراحله الدستورية، ولا يصبح نافذاً إلا بعد استكمال إجراءات التشريع والتصديق عليه ونشره في الجريدة الرسمية.
وفي النهاية، تبقى القضية أكبر من مضمون الفقرة (هـ) أو من الحوافز الجامعية نفسها. إنها قضية تتعلق باليقين التشريعي، وبالثقة في الإجراءات البرلمانية، وبأهمية أن تكون القواعد المنظمة للتصويت وإعادة فتح المواد واضحة ودقيقة ولا تحتمل اللبس!
فهيبة البرلمان لا تُصان فقط بالقوانين التي يقرها، وإنما أيضًا بالطريقة التي تُصنع بها تلك القوانين. وكلما ازدادت الإجراءات وضوحاً وشفافية، ازدادت ثقة المواطنين بالمؤسسة التشريعية، وترسخت قيم دولة القانون والمؤسسات.










