لا تبدو حركة التوسع في الأبنية المدرسية خلال العامين الماضيين مجرد استجابة لزيادة أعداد الطلبة أو محاولة لتوفير غرف صفية إضافية، بقدر ما تعكس اتجاها أوسع لإعادة ترتيب البيئة التي يجري فيها التعليم الحكومي، ومعالجة تحديات تراكمت على مدى سنوات، في مقدمتها الاكتظاظ، والمدارس المستأجرة، ونظام الفترتين، وتفاوت الاحتياجات بين المناطق.
ويكتسب الإعلان عن البدء بإنشاء 30 مدرسة نموذجية جديدة بكلفة تقارب 40 مليون دينار، وإنجازها خلال عام، ضمن مشروع المسؤولية المجتمعية أهمية أكبر عند وضعه في سياق ما جرى إنجازه خلال الفترة الماضية؛ إذ أُنشئت 120 مدرسة جديدة خلال عامين، بواقع 34 مدرسة بين أيلول 2024 ونهاية آب 2025، و86 مدرسة خلال العام التالي وحتى آب 2026، إلى جانب تنفيذ 132 مشروع إضافة للمدارس القائمة، وإخلاء 95 مبنى مدرسيا مستأجرا.
وتشير هذه الأرقام إلى أن ملف الأبنية المدرسية دخل مرحلة مختلفة، لم تعد تقتصر على بناء مدارس جديدة عند ظهور الحاجة، وإنما تتجه إلى توسيع القدرة الاستيعابية للمدارس الحكومية، وتحسين نوعية البيئة المدرسية، وتقليل الاعتماد على الأبنية المستأجرة، والتعامل بصورة أكثر مباشرة مع مشكلة الفترتين والاكتظاظ.
والأهم أن مشاريع الأبنية والتوسعات خلال العامين شملت نحو 129 ألف طالب وطالبة، بما يجعل الاستثمار في البنية المدرسية مرتبطا بصورة مباشرة بتجربة شريحة واسعة من الطلبة، وليس مجرد أرقام في سجلات المشاريع.
من زيادة المباني إلى تحسين البيئة التعليمية
اللافت في هذا المسار أن التوسع لم يأخذ شكلا واحدا؛ فإلى جانب المدارس الجديدة، جرى تنفيذ إضافات في المدارس القائمة شملت غرفا صفية ومختبرات ورياض أطفال ومشاغل ومرافق تعليمية أخرى.
وهذا التنوع في التدخلات يعكس حاجة مختلفة من منطقة إلى أخرى؛ ففي بعض المناطق قد تكون الأولوية لإنشاء مدرسة جديدة، بينما تكون توسعة مدرسة قائمة أكثر ملاءمة في منطقة أخرى، خصوصا مع تغير التوزيع السكاني والنمو العمراني وأعداد الطلبة.
ومن هنا، فإن قيمة المشاريع لا تكمن فقط في حجمها، وإنما في قدرتها على الاقتراب من الاحتياجات الفعلية للميدان التعليمي.
فالمدرسة الجديدة في منطقة تشهد نموا سكانيا متسارعا يمكن أن تعني تخفيف اكتظاظ مدرسة قائمة، أو إنهاء نظام الفترتين، أو تقليل المسافة التي يقطعها الطلبة للوصول إلى مدارسهم، فيما يمثل إخلاء المباني المستأجرة خطوة باتجاه بناء منظومة مدرسية أكثر استقرارا وأقل ارتباطا بحلول مؤقتة.
وبهذا المعنى، فإن بناء المدارس يصبح جزءا من تحسين الخدمة التعليمية نفسها، وليس ملفا إنشائيا منفصلا عنها.
«المدرسة النموذجية»
الانتقال إلى إنشاء 30 مدرسة نموذجية جديدة يفتح الباب أمام سؤال مختلف ما الذي يجب أن تقدمه المدرسة الحديثة في هذه المرحلة، فالمشهد التعليمي لم يعد هو نفسه الذي كان عليه قبل سنوات؛ إذ تتوسع الوزارة في التعليم المهني والتقني، والتعليم الدامج، والتعليم الرقمي، وتعمل في الوقت ذاته على تطوير إعداد المعلمين وتوسيع الخدمات المساندة للطلبة.
وفي التعليم المهني والتقني BTEC،وارتفع عدد المدارس التي تقدم تخصصات ضمن المسار من 261 مدرسة عام 2024 إلى 362 مدرسة عام 2026، فيما ارتفعت الطاقة الاستيعابية من 44,450 إلى 62,225 طالبا وطالبة، وبلغ عدد التخصصات 14 تخصصا.
وهذه الأرقام تعني أن المدرسة الجديدة مطالبة بأن تكون أكثر مرونة من النموذج التقليدي؛ فالتعليم المهني يحتاج إلى مشاغل وتجهيزات ومساحات للتطبيق، والتعليم الرقمي يحتاج إلى بنية اتصال وأجهزة، فيما تحتاج الأنشطة والتعلم النشط إلى مساحات تتجاوز حدود الغرفة الصفية التقليدية.
وبالتالي، فإن مفهوم المدرسة النموذجية يكتسب قيمته الحقيقية عندما يعكس طبيعة التعليم الذي ستقدمه، وليس فقط حداثة المبنى عند افتتاحه.
مدرسة أكثر قدرة على استيعاب التحول
التوسع في الأبنية يتزامن كذلك مع تطور في البنية الرقمية للمدارس، فقد وصلت خدمة الـWi-Fi إلى 1500 مدرسة، فيما يجري العمل على تغطية 2057 مدرسة إضافية بحلول عام 2027، بالتوازي مع التوسع في شبكات الألياف الضوئية والإنترنت الفضائي لخدمة المدارس النائية.
كما توسعت منصة أجيال لتضم أكثر من 2.26 مليون طالب وطالبة ونحو 146 ألف معلم ومعلمة، فيما بلغ عدد مستخدمي المساعد الذكي سراج نحو 1.3 مليون مستخدم، وارتفع عدد المناهج الرقمية المتاحة من 1247 إلى 1909 مناهج.
وهنا تظهر أهمية أن تسير البنية التحتية المادية والرقمية في اتجاه واحد؛ فالمدرسة الحديثة لم تعد مجرد مبنى متصل بشبكة كهرباء ومياه، وإنما أصبحت جزءا من منظومة تعلم تمتد إلى المنصات والمحتوى الرقمي والأجهزة والاتصال.
ومن شأن بناء مدارس جديدة بالتوازي مع هذا التوسع أن يمنح الوزارة فرصة لتصميم البيئة التعليمية من البداية بما يتلاءم مع التحول الرقمي، بدلا من محاولة تكييف مبان قديمة مع متطلبات لم تكن موجودة عند إنشائها.
المسؤولية المجتمعية
ويحمل تمويل المدارس الجديدة من خلال المسؤولية المجتمعية دلالة أخرى، تتعلق بطريقة توزيع أدوار تمويل التعليم وتطوير بنيته التحتية.
فدخول القطاع الخاص والمؤسسات والشركات في إنشاء المدارس يمكن أن يسرع تنفيذ المشاريع ويخفف الضغط عن الموازنة العامة، خصوصا عندما يأتي هذا الدور مكملا للمخصصات الحكومية والبرامج الأخرى، وليس بديلا عنها.
وتبدو أهمية هذا النموذج أكبر مع استمرار الحاجة إلى تطوير الأبنية القائمة وإنشاء مدارس جديدة، إذ يمكن للمسؤولية المجتمعية أن تتحول من مساهمات متفرقة إلى شراكة أكثر تنظيما، تستند إلى أولويات واضحة تحددها احتياجات المحافظات والمديريات.
وهنا تصبح المسألة الأهم ليست فقط توفير التمويل، وإنما ضمان أن يذهب إلى المكان الأكثر حاجة، وأن تخضع المدارس التي تمولها جهات مختلفة إلى مستوى موحد من المواصفات والجودة والتجهيز.
فنجاح المسؤولية المجتمعية في التعليم لا يقاس فقط بعدد المدارس التي ساهمت الشركات في إنشائها، وإنما بقدرتها على إحداث أثر مستدام في المناطق التي تحتاج إلى هذه الاستثمارات.
الاختبار المقبل.. المحافظة على الزخم
مع ذلك، فإن اتساع هذا الاستثمار يرفع سقف التوقعات من المرحلة المقبلة؛ فالنجاح لا يتوقف عند إنجاز المبنى، وإنما يمتد إلى تشغيله بكفاءة، وصيانته، وتوفير التجهيزات اللازمة له، وتحديثها، وضمان وجود الكوادر القادرة على الاستفادة منها.
كما أن استمرار التوسع يحتاج إلى أن تبقى قرارات إنشاء المدارس مرتبطة بالبيانات المتعلقة بالنمو السكاني والكثافة الطلابية والتوزيع الجغرافي، حتى تذهب الاستثمارات إلى المناطق التي تحقق فيها أعلى أثر ممكن.
وهذا لا يقلل من أهمية ما تحقق، بل يضع معيارا أكثر دقة لقياسه.
فالأرقام الحالية تشير إلى حركة واسعة في معالجة البنية المدرسية، والمرحلة المقبلة يمكن أن تجعل هذه الحركة أكثر تأثيرا إذا استمرت في الانتقال من منطق «بناء المزيد» إلى منطق «بناء ما تحتاجه المدرسة المستقبلية».
وفي النهاية، فإن الـ30 مدرسة الجديدة ليست رقما منفصلا عن 120 مدرسة أنجزت خلال عامين، ولا عن 132 مشروع توسعة، ولا عن عشرات المشاريع الأخرى التي تستهدف الطالب والمعلم والمدرسة.
القصة الأوسع هي أن المدرسة تدخل مرحلة تتغير فيها وظيفتها ومحتواها وأدواتها؛ من صف تقليدي إلى بيئة تعليمية أكثر اتصالا بالتكنولوجيا، ومن تعليم عام فقط إلى مسارات مهنية وتطبيقية، ومن مدرسة غير مهيأة لبعض الطلبة إلى تعليم أكثر شمولا، ومن الاعتماد على المبنى المستأجر والفترتين إلى بنية أكثر استقرارا.
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية للاستثمار في المدارس لن تكون في عدد المباني التي ستضاف إلى الخريطة، وإنما في عدد المشكلات التعليمية التي ستخرج منها؛ وكلما نجحت هذه المشاريع في تخفيف الاكتظاظ، وتحسين الوصول، وتوسيع فرص التعلم، ورفع جودة البيئة المدرسية، يصبح الاستثمار في الإسمنت استثمارا فعليا في الإنسان.














