أسهم قرار الحكومة تقييد سفر الوزراء والمسؤولين والهيئات الرسمية إلى الخارج في تحقيق وفر مالي لخزينة الدولة، بلغ نحو ثلاثة ملايين دينار حتى نهاية حزيران الماضي، وسط توقعات بارتفاع قيمة الوفر إلى أربعة ملايين دينار مع نهاية العام، وهي أرقام تفتح الباب أمام سؤال مهم حول إدارة المال العام، وأولويات الإنفاق، ومدى التزام مؤسسات الدولة بسياسة ضبط النفقات وترشيدها.
في حقيقة الأمر، فإن ضبط الإنفاق الحكومي والحد من النفقات غير الضرورية يمثلان خطوة في الاتجاه الصحيح، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها المملكة، وما تواجهه الخزينة من ضغوط مالية، وما يتحمله المواطن من أعباء معيشية متزايدة، وعندما تتخذ السلطة التنفيذية قرارًا بتقليص السفر الرسمي والحد من المصاريف المرتبطة به، فمن الطبيعي أن يُقاس أثر هذا القرار بالأرقام، وأن يُسأل عن إمكانية تعميمه على بقية مؤسسات الدولة.
لكن المفارقة التي تستحق التوقف عندها تتمثل في أن السلطة التنفيذية تتحدث عن التقشف وضبط النفقات، فيما تشير تقارير ومعلومات متداولة إلى استمرار سفر الوفود النيابية إلى الخارج، الأمر الذي يثير تساؤلات حول حجم هذه الرحلات، وكلفتها على المال العام، ومدى ارتباطها بمهام تشريعية أو رقابية فعلًا.
وهنا تبرز معادلة تستحق النقاش إذا كانت الحكومة قادرة على تحقيق وفر مالي من خلال تقييد سفر الوزراء والمسؤولين، فلماذا لا تخضع نفقات السفر في جميع مؤسسات الدولة للمراجعة والمعايير ذاتها؟ وهل أصبح التقشف سياسة عامة تسري على الجميع، أم أنه يختلف من سلطة إلى أخرى ومن مؤسسة إلى أخرى؟
لا أحد ينكر أهمية الدبلوماسية البرلمانية والمشاركة في المؤتمرات والاجتماعات الدولية، فهناك ملفات تحتاج إلى حضور ومتابعة وتنسيق مع البرلمانات والمنظمات الإقليمية والدولية، لكن هذه الأهمية لا تعني أن تتحول الرحلات الخارجية إلى نفقات لا تخضع لتقييم واضح، أو أن تبقى نتائجها بعيدة عن الرأي العام. فالمطلوب ليس منع السفر لمجرد المنع، وإنما إخضاعه لمعايير الحاجة والجدوى، والإعلان عن كلفته ومخرجاته، ومحاسبة الجهات المعنية على النتائج.
إن المواطن الذي يراقب ارتفاع الأسعار وكلف النقل والمحروقات، ويواجه التزامات مالية متزايدة، من حقه أن يعرف كيف تُنفق أموال الخزينة، وأن يرى سياسة التقشف تنطبق على جميع المؤسسات دون استثناء، فالمال العام ليس ملكًا لجهة بعينها، بل هو أمانة يجب أن تُدار وفق قواعد العدالة والشفافية والمساءلة.
ومن هنا فإن تحقيق وفر يصل إلى أربعة ملايين دينار سنويًا، وفق التوقعات المعلنة، يجب ألا يكون نهاية المطاف، بل بداية لمراجعة أوسع تشمل نفقات السفر والوفود والمهام الرسمية في السلطتين التنفيذية والتشريعية وسائر المؤسسات العامة.
المطلوب اليوم أن تكون هناك قاعدة واضحة لا سفر بلا حاجة حقيقية، ولا نفقات بلا مبرر، ولا امتيازات خارج إطار المساءلة، فالتقشف لا يكون انتقائيًا، وترشيد الإنفاق لا يجوز أن يتوقف عند أبواب مؤسسة ويُستثنى منه باب مؤسسة أخرى.
إن المتأمل في مشهد هذه السفريات لا يسعه إلا أن يرى تناقضًا صارخًا بين واقع المواطن ورفاهية ممثليه في مجلس النواب، فبينما يُطالب الشعب بـ(ضبط النفقات) و(شد الأحزمة)، تنفق الأمانة العامة للمجلس مبالغ ليست بسيطة على تذاكر السفر، والمياومات، والإقامات في الفنادق الفاخرة، والسؤال الأكثر إلحاحًا هنا ليس فقط (كم صُرف)، بل ما هو عائد السفر الحقيقي على الوطن والمواطن؟
لقد تحولت هذه المشاركات الخارجية، في نظر شريحة واسعة من الشارع الأردني، إلى ما يشبه «المكافآت والترضيات» أو «سياحة برلمانية» يتم تقاسمها خلف الكواليس كمخصصات ومكاسب شخصية، بعيدًا عن الكفاءة أو التخصص العلمي والسياسي. فما هي القيمة المضافة لزيارة وفد نيابي لمعرض سياحي في أوروبا، أو حضور مؤتمر بروتوكولي في قارة أخرى، في حين أن التقارير الختامية لهذه السفريات تظل حبيسة الأدراج، ولا نرى لها أي أثر ملموس على تشريع برلماني، أو جذب لاستثمار، أو تخفيف لنسب الفقر؟ فإذا كانت الحكومة تتقشف لتوفير المال العام، فمن حق المواطن أن يسأل: هل تسير السلطة التشريعية في الاتجاه نفسه، أم أن التقشف حكومي والسفر نيابي؟



