جريمة تبدأ في مدينة وتنتهي في مدينة أخرى، وسيارات تتنقل بين الشوارع حاملة أسراراً وجثثاً، فيما يبقى المشاهد مذهولاً أمام أحداث لا يصدقها العقل لكن المشكلة أن ما حدث في المفرق وإربد ليس مشهداً سينمائياً، ولا قصة من خيال مخرج يبحث عن الإثارة، بل واقعة حقيقية تضعنا أمام سؤال أكثر رعباً من أحداث الأفلام نفسها هل بدأنا نعيش بعض مشاهد أفلام العصابات على أرض الواقع؟
حين يُصاب طفل برصاصة ، ثم يُنقل ـ وفق رواية ذويه ـ من مدينة إلى أخرى، وتمر المركبة بثلاثة مستشفيات دون أن يحصل على الإسعاف، فإننا لا نتحدث عن مشهد عابر، بل عن واقعة تستدعي أن تتوقف عندها الدولة والمجتمع والأجهزة المعنية طويلاً.
فالمسألة لم تعد مجرد جريمة قتل، وإنما أسئلة مفتوحة حول انتشار السلاح، وخطورة أصحاب السوابق، وكيف يمكن أن تتحول الخلافات إلى جرائم، وكيف يستطيع مرتكبو الجريمة التحرك بين المدن وكأنهم في مطاردة سينمائية.
وتبقى هذه التفاصيل حتى الآن، ضمن رواية والد الضحية، بانتظار ما ستعلنه الجهات الأمنية والقضائية رسميا حول نتائج التحقيق وملابسات القضية، بحسب ما رواه الدكتور طلعت أبو ذان، والد الطفل أسامة، البالغ من العمر 15 عاماً، لا تتعلق فقط بمقتل طفل، وإنما بتفاصيل تجعل القضية أكثر إيلاماً وإثارة للقلق والفزع والخوف.
فالحديث يدور عن إطلاق النار على أسامة في المفرق، ثم نقله مصاباً، وفق رواية والده وحسب ما تناقلته منصات الاخبار من المفرق إلى إربد داخل مركبة تحمل لوحة أرقام سياحية، رغم حالته الصحية الخطرة، مروراً بثلاثة مستشفيات دون أن يتم إسعافه، قبل العثور عليه جثة في إربد، إذا صحت هذه التفاصيل، فنحن أمام مشهد لا يمكن التعامل معه باعتباره جريمة قتل عادية.
الأكثر إيلاماً أن المسافة بين المفرق وإربد ليست مسافة بين عالمين إنها عشرات الدقائق بالسيارة، وخلال هذه الرحلة ـ بحسب رواية الأب ـ كان هناك طفل ينزف، وثلاثة مستشفيات مرّ بها من نقله، من دون أن يحصل على الإسعاف الذي كان يمكن أن ينقذ حياته.
وهنا لا بد من ترك التفاصيل للنيابة العامة والقضاء العادل، لأن الحقيقة الكاملة لا تثبت بالروايات وحدها، وإنما بالأدلة والتحقيقات والطب الشرعي وشهادات الشهود وكاميرات المراقبة وسجلات المستشفيات وكل ما يمكن أن يكشف ما جرى في تلك الساعات.
لكن القضية تطرح سؤالاً أكبر من أسماء الأشخاص المتهمين كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها حمل السلاح واستخدامه في خلافات أو جرائم أمراً ممكناً، ثم نقل الضحية بين المدن بهذه الصورة؟ وهل نحن أمام مشكلة أفراد فقط، أم أمام ظاهرة تحتاج إلى مراجعة شاملة لمنظومة التعامل مع أصحاب السوابق والقيود والأسلحة غير المشروعة وتأجير المركبات السياحية واستخدامها في ارتكاب الجرائم؟
إن الأمن لا يعني فقط القبض على الجاني بعد وقوع الجريمة، الأمن الحقيقي هو منع الجريمة قبل وقوعها، وملاحقة مصادر الخطر، وضبط السلاح غير المشروع، والتعامل بحزم مع أصحاب السوابق الذين يثبت بحقهم تكرار الجرائم، وإغلاق الثغرات التي يمكن أن تستغل في ارتكاب الجرائم أو إخفاء آثارها.
والد الطفل أسامة يطالب بالعدالة، وهذا حق مشروع لكل أب فقد ابنه بهذه الطريقة البشعة لكنه قبل أن يكون أباً عن جد، هو مواطن يريد أن يعرف لماذا قُتل ابنه؟ ومن قتله؟ ولماذا لم يُسعف؟ وكيف انتقل مصاباً من مدينة إلى أخرى؟ ومن المسؤول عن كل دقيقة مرت على هذا الطفل وهو ينزف؟ أما المطالبة بأشد العقوبات، بما فيها الإعدام، فهي مسألة يقررها القضاء وفق القانون وبعد اكتمال التحقيق وثبوت المسؤولية، لا عبر الانفعال والغضب، مهما كان حجم المصيبة والألم نحن بحاجة اليوم إلى إجابات لا إلى بيانات فقط.
أما الرسالة الأهم التي يجب أن تصل من هذه الجريمة، فهي أن حياة الإنسان ليست رخيصة، وأن دم طفل في الخامسة عشرة من عمره ليس مجرد رقم جديد في سجل الجرائم، أسامة ليس رقماً، أسامة ابن وأخ وحلم كان ينتظر أن يكبر، وحين يُقتل طفل بهذه الطريقة، فإن السؤال لا يعود فقط من قتل أسامة ؟ بل يصبح السؤال ماذا سنفعل حتى لا يكون هناك أسامة آخر؟












