قبل أن تفتح قبة البرلمان أبوابها للدورة العادية الثالثة لمجلس النواب العشرين، يبدو العبدلي السياسي في حالة استنفار، لقاءات متواصلة، واتصالات خلف الكواليس، وخرائط تحالف يعاد رسمها بعيداً عن الأضواء.
هذه المرة، لا يتعلق الأمر بانتخابات المكتب الدائم وحدها فالمعركة على المواقع تتقاطع مع ملفات تشريعية ثقيلة، من موازنة 2027 إلى الضمان الاجتماعي وقانون العمل، وما ستفرزه (الغرف المغلقة) قد يحدد شكل العلاقة بين المجلس والحكومة طوال المرحلة المقبلة.
وتتصدر انتخابات رئيس مجلس النواب ونائبيه ومساعديه المشهد مع افتتاح الدورة، ولكن السباق لا يجري على الأسماء فقط؛ بل على شبكة أوسع من التفاهمات تمتد إلى رئاسة اللجان النيابية المؤثرة.
المنافسة مفتوحة بين أسماء ذات حضور تقليدي وأخرى صاعدة تبحث عن موطئ قدم في قيادة المرحلة، وفي المقابل تتحرك الكتل لتجميع الأصوات وبناء تفاهمات تضمن لها حصة مؤثرة في المشهد الجديد.
المعادلة بسيطة في ظاهرها من يجمع الأصوات أولاً يفرض إيقاعه لاحقاً، ولكن الحسابات ليست ثابتة فالتحالفات البرلمانية قابلة للتبدل حتى اللحظة الأخيرة، وقد تفرض (صفقة شاملة) تجمع أكثر من موقع في وقت واحد، من رئاسة المجلس إلى اللجان السيادية.
الاختبار يبدأ بعد الانتخابات، وبعيداً عن صخب المنافسة على المقاعد، تنتظر النواب ملفات لا تحتمل كثيراً من المناورة في مقدمتها موازنة 2027، التي ستضع الكتل أمام معادلة صعبة ضبط العجز والإنفاق من دون زيادة الضغوط على الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل.
ثم يأتي قانون الضمان الاجتماعي المعدل، وهو الملف الأكثر حساسية شعبياً هنا يتقاطع مطلب حماية حقوق المشتركين والمتقاعدين مع الحاجة إلى الحفاظ على الاستدامة المالية للمؤسسة وأي تعديل سيمر عبر المجلس سيكون تحت رقابة شارع يعرف جيداً ما تعنيه تفاصيل هذا القانون.
أما قانون العمل، فيضع النواب أمام معادلة أخرى حماية العمالة المحلية، من جهة، وعدم التضييق على الاستثمار وسوق العمل، من جهة أخرى.
هذه الملفات ستكشف سريعاً ما إذا كانت التحالفات التي تُبنى اليوم قادرة على الصمود عندما تبدأ الاختبارات الفعلية تحت القبة.
والقلق الأكبر لا يتعلق فقط بمن سيفوز بالمواقع، بل بما إذا كانت معركة المواقع ستطغى على الوظيفة الأساسية للمجلس.
فالناخب لا يعنيه كثيراً شكل التربيطات داخل المجلس بقدر ما يعنيه أداء النواب في ملفات الاقتصاد والخدمات والرقابة والتشريع.
ولهذا تبدو الدورة الثالثة أمام اختبار مزدوج اختبار القوة داخل البرلمان، واختبار الثقة خارجه.
وأي انشغال مفرط بالمواقع على حساب الرقابة والمساءلة قد يزيد المسافة بين المجلس والشارع، في وقت يحتاج فيه البرلمان إلى استعادة حضوره السياسي والرقابي، لا إلى مزيد من الجدل حول توزيع المقاعد.
خلال الأسابيع المقبلة، ستتكشف تدريجياً نتائج الاجتماعات السرية والاتصالات المتسارعة وستظهر معها خريطة جديدة للتحالفات، وأسماء جديدة في مواقع القرار النيابي.
لكن الدخان الأبيض من (الغرف المغلقة) لن يكون نهاية المعركة؛ بل بدايتها.



