لم يكن اختيار جلالة الملك عبدالله الثاني أن يبدأ زيارته إلى الصين من شنغهاي ثم شنجن قبل الوصول إلى بكين أمراً عابراً، ولا مجرد ترتيب في برنامج الزيارة، فمن يعرف طريقة جلالته في إدارة الملفات يدرك أن اختيار المكان والتوقيت غالباً ما يحملان رسالة أبعد من الشكل البروتوكولي.
هذه المرة، أراد الملك أن يبدأ من قلب التجربة الصينية نفسها، فبدلاً من أن تكون بكين المحطة الأولى باعتبارها العاصمة ومركز القرار السياسي، اختار جلالته أن يذهب أولاً إلى شنغهاي، ثم شنجن؛ إلى المدن التي يمكن من خلالها قراءة قصة الصعود الاقتصادي الصيني على أرض الواقع.
وهنا تظهر حكمة الملك وحنكته في اختيار محطات الزيارة وترتيبها، فهو لم يذهب إلى الصين فقط للقاء المسؤولين، وإنما أراد أن يرى بعينه، ويسمع مباشرة من رجال الأعمال والمستثمرين ورواد الأعمال وقادة الشركات الكبرى، كيف تفكر الصين اقتصادياً وإلى أين تتجه.
شنغهاي، بما تمثله من مركز مالي وتجاري وصناعي عالمي، تقدم صورة عن قوة الاقتصاد الصيني، فيما تمثل شنجن قصة مختلفة، عنوانها التكنولوجيا والابتكار والشركات وريادة الأعمال.
وبعد 11 عاماً على الزيارة الملكية السابقة إلى الصين، فإن العودة هذه المرة تأتي إلى صين مختلفة، اقتصاد أكبر، وشركات أكثر حضوراً في الأسواق العالمية، وتطور متسارع في التكنولوجيا والصناعة والاستثمار.
ولهذا فإن من المهم أن يقرأ الملك هذه التحولات من الداخل، لا من خلال التقارير وحدها، اللقاءات التي عقدها جلالته مع المستثمرين وقادة الشركات الصينية تكتسب هنا أهمية خاصة، فالحديث عن جذب الاستثمار شيء، والجلوس مع المستثمر نفسه ومعرفة ما الذي يبحث عنه شيء آخر تماماً.
ما الذي يدفع شركة صينية كبرى للاستثمار في الأردن؟ وما القطاعات التي يمكن أن تهمها؟ وما الذي يحتاجه المستثمر حتى يضع الأردن ضمن خططه؟ وكيف يمكن أن يتحول الاستثمار من مجرد رأس مال إلى صناعة وتكنولوجيا وفرص عمل وتصدير؟ هذه الأسئلة هي التي تعطي المحطات الأولى للزيارة معناها الحقيقي.
فالأردن لا يبحث اليوم عن أي استثمار، وإنما عن استثمارات نوعية تضيف للاقتصاد، وتنقل التكنولوجيا والخبرة، وتفتح أسواقاً جديدة، وتخلق فرص عمل حقيقية.
ومن هنا أيضاً تأتي أهمية شنجن، فالمدينة تمثل تجربة تستحق أن تُقرأ بعناية؛ ليس بهدف تقليدها، فلكل دولة ظروفها، وإنما لفهم كيف استطاعت بيئة اقتصادية أن تحول التكنولوجيا والابتكار إلى شركات وصناعات وحضور عالمي.
ومن ثم يصل الملك إلى بكين، وهنا تبدو الصورة مكتملة؛ فقد بدأ من الاقتصاد قبل السياسة، ومن الشركات قبل المكاتب، ومن الميدان قبل طاولة القرار.
وهذا ليس ترتيباً عادياً، إنه يعكس رغبة في أن تكون المباحثات السياسية في بكين مبنية على معرفة مباشرة بما يجري في الاقتصاد الصيني، وما يمكن أن يقدمه الأردن، وما يمكن أن تبنى عليه المرحلة المقبلة من العلاقة بين البلدين.
فالزيارة لا تبدو بحثاً عن اتفاقية جديدة فقط، بقدر ما تبدو محاولة لبناء تصور أوسع كيف يستطيع الأردن أن يستفيد من التجربة الصينية، وكيف يستطيع في الوقت نفسه أن يقدم نفسه كشريك حقيقي للشركات الصينية؟ وهنا تكمن قيمة الزيارة فالملك، بحكمته وحنكته في اختيار زياراته، لم يكتفِ بأن يذهب إلى المكان الذي تُتخذ فيه القرارات، بل ذهب أولاً إلى المكان الذي تُصنع فيه الثروة وتُبنى فيه الشركات وتختبر فيه الأفكار.
من شنغهاي يمكن قراءة قوة الاقتصاد الصيني، ومن شنجن يمكن رؤية ملامح اقتصاد المستقبل، ومن بكين يمكن تحويل هذه القراءة إلى تفاهمات وشراكات، ولذلك فإن الأهم في هذه الزيارة قد لا يكون ما تم الإعلان عنه فقط، وإنما ما عاد به الملك من معرفة وفهم مباشر للتجربة الصينية.
فالعلاقات بين الدول لا تكبر بالسياسة وحدها، وإنما عندما تجد طريقها إلى الاقتصاد والاستثمار والمصالح المشتركة.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأوضح من ترتيب الزيارة الأردن يريد أن ينتقل مع الصين من مرحلة الصداقة والتعاون إلى مرحلة الشراكة التي تنتج مشاريع وفرصاً وقيمة حقيقية للطرفين.
وهذا ما يجعل شنغهاي وشنجن، قبل بكين، أكثر من مجرد محطات في زيارة ملكية؛ إنهما بداية قراءة جديدة للصين، وربما بداية فصل جديد في العلاقة الأردنية الصينية.












