تطلقها النقابات المهنية بين حين وآخر، بل أصبحت قضية وطنية تمس مستقبل آلاف الشباب والأسر التي تنفق سنوات من عمرها وأموالها في سبيل الحصول على شهادة جامعية ، ثم يجد صاحبها نفسه أمام سوق عمل مغلق أو شديد الازدحام ، الأرقام الأخيرة تضعنا أمام سؤال لا يمكن تأجيله : هل أصبحت بعض المهن في الأردن مشبعة إلى الحد الذي يستدعي إعادة النظر جذرياً في سياسات القبول الجامعي ومخرجات التعليم العالي ؟
في مهنة الهندسة يبلغ عدد المهندسين المسجلين في النقابة نحو 206 آلاف مهندس، بمعدل مهندس واحد لكل 41 مواطناً ، فيما تصل البطالة في القطاع الهندسي إلى نحو 19% ، والأكثر إثارة للقلق أن هناك نحو 39 ألفاً و300 طالب يدرسون الهندسة داخل الأردن ، إضافة إلى نحو 3500 طالب يدرسونها خارج المملكة .
أما المحاماة فالصورة لا تبدو أفضل إذ تشير الأرقام إلى وجود محامٍ لكل 550 مواطناً، بينما تخرج الجامعات الأردنية سنوياً ما بين 3500 و4000 خريج حقوق، ويتقدم أكثر من ثلاثة آلاف منهم سنوياً لامتحان القبول في نقابة المحامين وتؤكد النقابة أن سوق العمل لا يستطيع استيعاب هذه الأعداد المتزايدة .
وهنا لا بد من التوقف ، من المسؤول عن هذه الفجوة بين الجامعة وسوق العمل؟ هل يعقل أن تستمر الجامعات في تخريج أفواج جديدة في تخصصات تعلن نقاباتها المهنية ، وبصراحة أنها تعاني التشبع والبطالة ؟ وهل من المنطقي أن يكتشف الطالب بعد أربع أو خمس سنوات من الدراسة أن تخصصه الذي اختاره بناءً على حلم أو رغبة أسرية أو صورة اجتماعية قديمة لم يعد يوفر له فرصة عمل ؟
والأغرب أن التحذيرات ليست جديدة نقابة المهندسين حذرت مراراً من تضخم أعداد المهندسين ، وأشارت إلى أن المشكلة لا تتعلق بالأعداد فقط ، وإنما أيضاً بمواءمة التخصصات والمهارات مع احتياجات سوق العمل واليوم تتجه النقابة إلى التركيز على تخصصات جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وإنترنت الأشياء وغيرها من المجالات التقنية .
والأردن بدأ فعلاً باتخاذ بعض الخطوات في هذا الاتجاه ، إذ جرى تجميد القبول في عدد من التخصصات ، ودراسة خفض أعداد المقبولين في تخصصات راكدة ومشبعة ، بالتوازي مع استحداث تخصصات جديدة مرتبطة باحتياجات الاقتصاد الحديث .
فقد كان لقب "مهندس" يوماً ضمانة لمستقبل مهني جيد ، وكان القانون من التخصصات التي تحظى بمكانة اجتماعية كبيرة ، أما اليوم فقد تغير العالم وتغير الاقتصاد وتغيرت طبيعة الوظائف ، لم تعد الشهادة وحدها تكفي والأخطر من البطالة نفسها أن يقضي الشاب سنوات طويلة في الدراسة ثم يبدأ حياته المهنية من نقطة الصفر، أو يضطر إلى العمل في مهنة لا علاقة لها بتخصصه ، أو يبحث عن فرصة خارج الأردن بعد أن أنفقت أسرته سنوات من عمرها ومالها على تعليمه .
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الشهادات فقط ، بل نحتاج إلى شهادات تقود إلى فرص عمل وتقلل من مؤشر البطالة ، ولا نحتاج إلى جامعات تخرّج الآلاف من أجل أن تقول إنها خرّجت الآلاف ، وإنما نحتاج إلى جامعات تقيس نجاحها بقدرة خريجيها على الدخول إلى سوق العمل والمنافسة والإنتاج .
إن الرقم الذي يقول مهندس لكل 41 مواطناً والرقم الذي يقول محامٍ لكل 550 مواطناً يجب ألا يمرّا مرور الكرام فخلف كل رقم شاب ينتظر وظيفة ، وأسرة دفعت من دخلها ، وحلم قد يتحول إلى إحباط .










