صدى الشعب - سليمان أبو خرمة
قررت وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية إلغاء نسبة الـ30% كحد أعلى لتوزيع طلبة الصف الثاني عشر على الحقول الأكاديمية، والسماح بتوزيع الطلبة وفق رغباتهم والطاقة الاستيعابية لكل حقل.
وجاء قرار الوزارة بعد مطالبات من الطلبة وأولياء الأمور وأعضاء مجلس النواب بإعادة النظر في آلية التوزيع، وسط مخاوف من أن تؤدي النسبة المحددة إلى التحاق بعض الطلبة بحقوق لا تتوافق مع رغباتهم وميولهم، في وقت يمثل فيه اختيار الحقل محطة أساسية في تحديد مسارهم التعليمي خلال المرحلة المقبلة.
وبحسب أسس النجاح والإكمال والرسوب للعام الدراسي 2026-2027، يوزع الطلبة في مسار التعليم الثانوي الأكاديمي على الحقول بعد الصف الحادي عشر وفق رغباتهم والطاقة الاستيعابية، وفي حال تجاوز عدد الطلبة الراغبين في الالتحاق بأي حقل الطاقة الاستيعابية له، تتم المفاضلة بينهم على أساس متوسط المعدل المئوي لتحصيلهم الدراسي في الصفين العاشر والحادي عشر مدرسيا.
وكانت آلية التوزيع قد أثارت نقاشًا واسعًا بين الطلبة وأولياء الأمور والنواب، خصوصًا فيما يتعلق بنسبة الـ30% والاعتماد على العلامات المدرسية في المفاضلة، ما دفع لجنة التربية والتعليم النيابية إلى بحث الموضوع مع وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، د. عزمي محافظة، والمطالبة بمراجعة الآلية.
ومع اعتماد التوزيع وفق رغبات الطلبة والطاقة الاستيعابية، أصبحت رغبة الطالب عنصرًا أساسيًا في تحديد الحقل الذي سيلتحق به، فيما تبقى المفاضلة بالمعدلات خيارًا عند تجاوز أعداد الراغبين في أحد الحقول الطاقة الاستيعابية المتاحة.
وكانت الوزارة قد أكدت في وقت سابق أن نظام الحقول يستند إلى فلسفة تربوية تهدف إلى تعزيز دافعية الطلبة وتوجيههم نحو الحقول التي تتناسب مع ميولهم وقدراتهم، إلى جانب تحقيق توزيع متوازن يراعي إمكانات المدارس ومتطلبات التعليم العالي وسوق العمل.
ويعيد القرار طرح النقاش حول قدرة الطالب على بناء مساره التعليمي وفق رغباته وميوله، ومدى قدرة النظام التعليمي في الوقت ذاته على التعامل مع تفاوت الإقبال على الحقول، خصوصًا في حال تركز أعداد كبيرة من الطلبة في حقل معين.
وفي ظل هذه المعطيات، تبرز أهمية الإرشاد الأكاديمي والمهني في مساعدة الطلبة على اتخاذ قرارات واعية بشأن حقولهم التعليمية، بعيدًا عن تأثير شعبية بعض الحقول أو الضغوط الاجتماعية، وبما ينسجم مع قدراتهم وتطلعاتهم المستقبلية.
العدالة لا تعني معاملة جميع الطلبة بالطريقة نفسها
وبهذا الإطار، أكد وزير التربية والتعليم الأسبق فايز السعودي، أن مناقشة إلغاء نسبة الـ30% أو تعديلها لا ينبغي أن تنحصر في النسبة بوصفها إجراءً تنظيميًا، وإنما يجب أن تمتد إلى السؤال الأهم المتعلق بالفلسفة التربوية التي ينبغي أن تحكم توجيه الطلبة إلى الحقول والمسارات التعليمية.
وقال السعودي إن إلغاء نسبة الـ30% يزيل قيدًا محددًا، لكنه لا يعني بالضرورة أن الطالب أصبح حرًا بصورة كاملة في اختيار الحقل الذي يرغب فيه، مبينًا أن قيودًا أخرى قد تبقى قائمة، وتتعلق بالطاقة الاستيعابية وشروط القبول وأعداد الطلبة وتنظيم المدارس.
وأضاف أن الحرية الحقيقية في الاختيار لا تعني ترك الطالب أمام خيارات مفتوحة دون توجيه، وإنما تمكينه من اختيار المسار الذي يتوافق مع قدراته وميوله واستعداداته، بعد إرشاده إرشادًا علميًا ومهنيًا سليمًا.
وأكد أن الطالب ليس مجرد رقم في كشف العلامات، ولا ينبغي أن تحدد علاماته التحصيلية وحدها مستقبله التعليمي والمهني.
وفيما يتعلق بمدى تحقيق نسبة الـ30% للعدالة بين الطلبة، قال السعودي إن العدالة التربوية لا تتحقق بالضرورة من خلال تطبيق نسبة موحدة على جميع الطلبة.
وأوضح أنه إذا أدت هذه النسبة إلى وضع طالب في حقل لا يتوافق مع قدراته أو ميوله أو استعداداته، فإنها قد تتحول من أداة لتحقيق العدالة إلى أداة لإنتاج الظلم.
وأشار إلى أن الطلبة يختلفون في قدراتهم العقلية والإبداعية والعملية، وفي مجالات الذكاء لديهم، وفي ميولهم واستعداداتهم، ولا يمكن اختزال هذه الفروق جميعها في العلامات التحصيلية.
وبين أن العدالة لا تعني معاملة جميع الطلبة بالطريقة نفسها، وإنما إتاحة الفرصة والمسار لكل طالب بما يتناسب مع خصائصه وقدراته.
العلامات المدرسية مهمة لكنها لا تكفي لتحديد مستقبل الطالب
وحول اعتماد العلامات المدرسية معيارًا للمفاضلة بين الطلبة، قال السعودي إن العلامات المدرسية مؤشر مهم ينبغي ألا يُهمل، لكنها لا ينبغي أن تكون المعيار الوحيد أو الحاسم في تحديد مسار الطالب، لأن المدارس تختلف في مستوياتها وبيئاتها وطرائق تقويمها وظروفها التعليمية.
وأضاف أن التحصيل الأكاديمي يقيس جانبًا مهمًا من قدرات الطالب، لكنه لا يكشف بالضرورة جميع قدراته واستعداداته وميوله.
ولفت إلى أن التوجيه العادل ينبغي أن يقوم على ملف متكامل للطالب، يجمع بين التحصيل الأكاديمي، واختبارات القدرات والاستعدادات، واكتشاف الميول المهنية، ومؤشرات الذكاءات المتعددة، والملاحظة التربوية، والإرشاد الأكاديمي والمهني المتخصص.
وأكد أن ذلك يحول دون أن يصبح مستقبل الطالب رهينة لعلامة حصل عليها في مرحلة سابقة.
الإقبال على الحقل الصحي.. الحل في التخطيط وليس إجبار الطلبة
وفيما يتعلق باحتمال إقبال أعداد كبيرة من الطلبة على حقل واحد، ولا سيما الحقل الصحي، رأى السعودي أن هذه القضية ينبغي أن تعالج من خلال التخطيط التعليمي وتطوير الطاقة الاستيعابية وتنويع المسارات، لا من خلال إجبار الطلبة على مسارات لا تتوافق مع قدراتهم وميولهم.
وأوضح أنه إذا كشفت أدوات التوجيه العلمي عن وجود أعداد كبيرة من الطلبة الذين لديهم استعدادات وميول حقيقية نحو مجال معين، فعلى النظام التعليمي أن يدرس أسباب ذلك، وأن يوسع الخيارات والطاقة الاستيعابية، وأن يوفر مسارات بديلة قريبة من اهتماماتهم وقدراتهم.
وشدد على أنه لا يصح أن يصبح عجز النظام عن استيعاب الطلبة مبررًا لإعادة توزيعهم بصورة لا تراعي خصائصهم الفردية.
وأكد مبدأً تربويًا أساسيًا، مفاده أن الخطط والمسارات التعليمية يجب أن تتكيف مع تنوع الطلبة، لا أن يُطلب من الطلبة جميعًا التكيف مع خطط ومسارات جامدة وضعت مسبقًا.
التوازن بين رغبة الطالب وسوق العمل
وفي شأن الأولوية بين رغبة الطالب واحتياجات سوق العمل، قال السعودي إن المسألة لا ينبغي أن تطرح باعتبارها اختيارًا بين رغبة الطالب واحتياجات سوق العمل، وإنما المطلوب هو تحقيق التوازن بينهما.
وأوضح أنه من جهة، لا يجوز تجاهل قدرات الطالب وميوله واستعداداته وإجباره على دراسة تخصص لا يناسبه لمجرد أن سوق العمل يحتاج إليه، ومن جهة أخرى، لا ينبغي ترك الطالب يختار تخصصه بمعزل عن المعلومات المتعلقة بسوق العمل والفرص المستقبلية.
وبين أن دور الدولة ينبغي أن يتمثل في توفير المعلومات الدقيقة، والإرشاد والتوجيه، وتوسيع الخيارات، والتنبؤ باحتياجات سوق العمل، وتوفير المسارات المناسبة، لا في فرض المسار على الطالب.
الطالب هو نقطة البداية وليس الخطة الدراسية
واعتبر السعودي أن النقاش الحالي يمثل فرصة لإعادة النظر في فلسفة نظام الحقول بصورة أعمق من مجرد تعديل نسبة الـ30%.
وقال إن الخطأ يبدأ عندما يتم التعامل مع الطلبة وكأنهم متشابهون في قدراتهم وذكاءاتهم وميولهم واستعداداتهم، ثم محاولة توزيعهم على مسارات محددة وفق معيار تحصيلي واحد.
وأكد أن الطالب هو نقطة البداية، وليس الخطة الدراسية، مشددًا على أن الإنسان هو الذي ينبغي أن تتكيف معه المنظومة التعليمية، وليس العكس.
واقترح السعودي بتوجيه الطلبة في التعليم العام والتعليم العالي على منظومة وطنية متكاملة لاكتشاف القدرات والميول والاستعدادات ومجالات الذكاء، تبدأ في مراحل مبكرة من التعليم، وتتطور تدريجيًا مع نمو الطالب.
وأوضح أن هذه المنظومة ينبغي أن تستند إلى أدوات علمية وموضوعية، ويشارك فيها الطالب والأسرة والمعلم والمرشد المتخصص.
الإصلاح الحقيقي ليس في نسبة الـ30% وإنما في فلسفة توجيه الطلبة
وأكد أن معالجة نسبة الـ30% ينبغي ألا تكون غاية في حد ذاتها، وإنما فرصة لمراجعة فلسفة توجيه الطلبة إلى الحقول والمسارات التعليمية.
وقال إن الهدف ليس معرفة أين يمكن وضع الطالب، وإنما اكتشاف أين يستطيع الطالب أن يبدع وينجح ويخدم وطنه.
وشدد على أن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على تصنيف الطلبة وفق علامات تحصيلية فقط، ولا على ترك الاختيار للأهل أو للرغبات العابرة، ولا على فرض المسارات وفق احتياجات السوق وحدها، وإنما على توجيه علمي يوازن بين قدرات الطالب وميوله واستعداداته ومجالات تميزه من جهة، واحتياجات المجتمع وسوق العمل من جهة أخرى.
وأكد أن هذا هو الانتقال المطلوب من نظام يوزع الطلبة على المسارات إلى نظام يبني الإنسان ويكتشف طاقاته ويوجهه إلى المسار الذي يستطيع أن يحقق فيه أفضل ما لديه.













