واعتداءً على حرمة الموت ودور العبادة وقيم المجتمع الأردني الذي لم يعرف يوماً التمييز بين مسلم ومسيحي، ولم يسمح للطائفية بأن تكون جزءاً من هويته الوطنية الجامعة .
إن استهداف مشيّعين في جنازة داخل دار عبادة يكشف عن فكر ظلامي لا يقيم وزناً لدين أو إنسان أو حرمة ، فالإرهاب الذي يستهدف المسيحي لا يختلف في جوهره عن الإرهاب الذي يستهدف المسلم ، وكلاهما ينطلق من فكر تكفيري إقصائي لا يرى في الاختلاف إلا عدواً، ولا يؤمن بالتعايش إلا بوصفه هدفاً يجب تدميره ، وهنا تكمن خطورة هذه الاعتداءات ، فهي لا تستهدف أفراداً فحسب ، بل تحاول ضرب الثقة بين أبناء المجتمع الواحد ، وزرع بذور الفتنة في أرض لم تكن يوماً حاضنة لها .
وماذا يريد هؤلاء من الكرك ، وماذا يريدون من الأردن ؟ أيريدون أن تتحول هذه القرية الوادعة ، المعروفة بأصالة أهلها وطيبتهم ، إلى ساحة للخوف والانقسام ؟ أم يريدون أن يضربوا نموذجاً أردنياً راسخاً في التآخي الإسلامي المسيحي والعيش المشترك ؟ إن الكرك بتاريخها الوطني العريق، ليست بيئة للطائفية، والأردن الذي صاغ أبناؤه من مختلف المكونات حكاية وطن واحد لن يسمح لأصحاب الفكر الظلالي المنحرف بأن يفرضوا عليه أجنداتهم السوداء .
إن هذا الفكر هو ذاته الذي يقف خلف الاعتداء على قلعة الكرك ، والذي ارتبط بالجرائم الإرهابية التي استهدفت الأردن وأبنائه ، ومن بينها جريمة قتل الشهيد الطيار معاذ الكساسبة، والجرائم التي ارتقى فيها شهداء الوطن من أبطال القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ، ومنهم الشهيد راشد الزيود والشهيد العقيد سائد المعايطة أسد القلعة، الذي ارتبط اسمه ببطولات قلعة الكرك إنها حلقات في سلسلة واحدة من العنف والتطرف، تستهدف الدولة ومؤسساتها وأمنها، وتسعى إلى إخضاع المجتمع بالخوف والدم .
لكن هؤلاء واهمون إن اعتقدوا أن الإرهاب قادر على تفكيك المجتمع الأردني أو النيل من وحدته فالأردن الذي واجه محطات صعبة وتحديات جساماً أثبت في كل مرة أن قوته الحقيقية لا تكمن في مؤسساته الأمنية والعسكرية وحدها على أهميتها، بل في تماسك شعبه ووعيه الوطني والتفافه حول قيادته الهاشمية ، ومن هنا فإن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على الملاحقة الأمنية ، بل تتطلب أيضاً حماية الوعي المجتمعي، وتجفيف منابع التطرف، ورفض كل خطاب يحاول بث الكراهية والفتنة أو التشكيك في أصالة أي مكوّن من مكونات الوطن .
لقد أرست القيادة الهاشمية الحكيمة نهج الوسطية والاعتدال، وأكد جلالة الملك عبدالله الثاني في مختلف المحافل أن المسيحيين العرب جزء أصيل من تاريخ المنطقة ومستقبلها، وأن حماية دور العبادة وصون كرامة الإنسان واجب وطني وأخلاقي , وهذا النهج ليس شعاراً سياسياً عابراً، بل امتداد لتاريخ أردني تشارك فيه المسلم والمسيحي في بناء الدولة والدفاع عنها وخدمة مجتمعها، في السراء والضراء .
وفي الكرك ، كما في سائر المحافظات ، تشكل العلاقات الأخوية بين أبناء المجتمع نموذجاً متفرداً في التعايش والمحبة والسلام ، حيث لا تسأل المحبة عن دين، ولا تقاس المواطنة بطائفة ، ولا يتقدم الانتماء إلا للوطن ، ومن العقبة إلى الرمثا ، ومن الأغوار إلى البادية ، تبقى وحدة الأردنيين عنوان قوتهم ، ويظل المسجد والكنيسة شاهدين على أن هذا الوطن يتسع لجميع أبنائه ، وأن محاولات إشعال الفتنة لن تجد أرضاً صلبة تقف عليها ما دام الوعي الوطني حاضراً .
إن الرد الحقيقي على الإرهاب لا يكون بالغضب وحده ، بل بمزيد من التماسك ، وبالوقوف صفاً واحداً في وجه كل من يحاول تحويل الاختلاف إلى صراع ، والدين إلى أداة قتل، وحرمة الإنسان إلى هدف للاعتداء كما أن المسؤولية الوطنية تقتضي كشف ملابسات الحادثة ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون ، بعيداً عن الشائعات أو إطلاق الأحكام قبل استكمال التحقيقات ، حتى تبقى العدالة حصناً للوطن ، ولا تتحول الجريمة إلى فرصة جديدة لإثارة الانقسام .
إن الإرهاب يريد أردناً خائفاً ومنقسماً ، لكن الأردن أكبر من مخططات الظلام ، والكرك أكبر من أن تنال منها يد الغدر وستبقى صخرة تتحطم عليها الأفكار التكفيرية والضلالية ، وسيبقى الأردنيون ، مسلمين ومسيحيين ، أسرة وطنية واحدة لا تفرقها رصاصة ولا تمزقها جريمة فكلما حاول الإرهاب إشعال الفتنة ، ازداد الأردنيون تمسكاً بوحدتهم ، وكلما استهدف الوطن ، ازدادت مناعته فالأردن ليس وطناً للطوائف ، بل وطن المواطنة والكرامة والعيش المشترك، وستظل وحدته الوطنية خط الدفاع الأول في مواجهة كل خفافيش الظلام .





