ليست كل الكلمات تُقال لتُسمع؛
بعض الكلمات تُقال لتوقظ العالم.
وحين وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يكن الأردن يضيف خطاباً جديداً إلى أرشيف الخطب الدولية، بل كان يضع أمام العالم سؤالاً يتجاوز اللحظة:
ماذا يحدث عندما يتعب العالم من الانتباه؟
من هنا بدأت الرسالة.
فالانتباه، في الخطاب الملكي، لم يكن مفهوماً عابراً، بل مدخلاً لفهم مسؤولية العالم تجاه الأزمات، وحدود ما يمكن أن يتحول، مع مرور الوقت، إلى واقع مألوف.
ولم يعد الانتباه مجرد قدرة على رؤية ما يحدث، بل أصبح مورداً له أثر سياسي وجيوسياسي؛ لأن القضايا التي تحظى بالانتباه تستمر على جدول الأعمال، وتبقى حاضرة في الدبلوماسية والجهود الدولية، فيما يمكن للقضايا التي تُهمَل أن تتراجع، حتى وإن بقيت معاناة أصحابها قائمة.
وقد لخّص جلالة الملك هذه الفكرة بوضوح:
«وفي هذه القاعة، الانتباه ليس مجرد مورد معرفي فحسب، بل هو أيضا مورد جيوسياسي.»
فما نختار أن نوليه انتباهنا يحدد أي نزاعات تحظى بجهود دبلوماسية مستدامة، وأيها يتراجع إلى هامش جدول الأعمال، وما إذا كانت المعاناة الإنسانية ستظل مرفوضة أم تتحول مع الوقت إلى أمر مألوف.
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الخطاب:
«فما نهمله اليوم، غالبا ما يشكل مستقبلنا.»
فالمشكلة ليست فقط في أن يرى العالم الأزمة، بل في أن يبقى منتبهاً لها بما يكفي حتى يتحول الانتباه إلى موقف، والموقف إلى فعل.
ومن هنا جاءت فلسطين في صدارة المشهد.
فقد وضع جلالة الملك أمام المجتمع الدولي واقع غزة والضفة الغربية باعتبارهما جزءاً من مسار واحد، مؤكداً أن الاعتقاد بأنهما قصتان منفصلتان هو أحد الأوهام التي ينبغي التخلي عنها.
وبعبارته الواضحة:
«إنهما في الواقع وجهان لنفس الاستراتيجية الإسرائيلية.»
فالهدف، كما أوضح جلالته، هو جعل قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة أمراً مستحيلاً.
وأكد الأردن استمرار دعمه لصمود الشعب الفلسطيني، ودعمه لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، ومواصلة حمل أمانة الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وفي هذا السياق، لا يصبح الانتباه مجرد متابعة سياسية؛ بل يتحول إلى مسؤولية تجاه قضية لا يجوز أن تفقد حضورها لمجرد أن العالم اعتاد مشاهدها.
ومن فلسطين إلى أمن الحدود، تتصل الرسالة الأردنية في جوهرها بفكرة واحدة:
لا يمكن فصل السلام عن الأمن، ولا الأمن عن العدالة، ولا المستقبل عن القدرة على حماية المصالح الوطنية.
وفي الحديث عن سوريا والتطورات على الحدود الشمالية، كان الموقف الأردني واضحاً في أن أي تهديد لأمن الحدود أو الأمن المائي يمس مباشرة الأمن القومي الأردني.
وقد قال جلالة الملك:
«أما بالنسبة للأردن، فالأمر واضح كالشمس: أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي. لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا.»
هنا يتحول الانتباه إلى موقف.
فالأردن يتابع ما يجري في محيطه، ويمارس الدبلوماسية والحوار، لكنه في الوقت ذاته يحدد بوضوح ما يمس أمنه الوطني ومصالح شعبه.
الانفتاح لا يعني التخلي عن المبادئ، والدبلوماسية لا تعني الضعف، والاستقرار لا يعني غياب القدرة على حماية المصالح الوطنية.
وهذا هو الفارق بين دولة تراقب الأحداث، ودولة تقرأ اتجاهاتها وتستعد لتداعياتها.
وفي الوقت ذاته، لم يقدم جلالة الملك الأردن بوصفه دولة تنتظر ما ستؤول إليه أزمات المنطقة، بل دولة تعمل على مسارين متوازيين: الاستجابة للتحديات، وبناء المستقبل.
وكما قال جلالته:
«ونعلم أنه لا يمكننا الاختيار بين الاستجابة لأزمة طارئة أمامنا وبناء المستقبل. لذلك، نحن نمضي بالمسارين معا.»
وهذه ليست معادلة سهلة.
ففي منطقة قد تبدأ فيها أزمة قبل أن تنتهي سابقتها، يصبح بناء المستقبل جزءاً من حماية الدولة، لا ترفاً يمكن تأجيله.
ولهذا يمضي الأردن في تعزيز الروابط من الخليج إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط من خلال دوره كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، بالتوازي مع التصدي للأزمات الإنسانية، ومواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات، وتطوير قدراته الدفاعية، وحماية المسيحية ومجتمعاتها وإرثها التاريخي، والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في وجه أصوات الكراهية، مع الاستمرار في الالتزام بالسلام العادل.
إنها ليست ملفات منفصلة.
إنها أجزاء من صورة دولة تحاول أن تحمي حاضرها، بينما تبني موقعها في المستقبل.
ومن هنا تتبلور معادلة الأردن:
ثابت دون انغلاق،
منفتح دون تنازل،
دبلوماسي دون ضعف،
وحازم في حماية مصالحه.
وهي معادلة لا تقوم على رد الفعل، بل على وضوح البوصلة.
فالدبلوماسية الأردنية، في جوهرها، ليست ابتعاداً عن الموقف، وإنما وسيلة لحماية الموقف وتحويله إلى تأثير؛ حوار مع الجميع، من دون التخلي عن الثوابت، وانفتاح على العالم، من دون التفريط بالمصالح الوطنية.
وفي عالم يتنافس على انتباه الإنسان والدولة معاً، لا يكمن الخطر فقط فيما نراه، بل أحياناً فيما نتوقف عن رؤيته.
فالأزمات التي تُنسى لا تختفي.
والقضايا التي تُهمَل لا تنتهي.
والوقائع التي لا تواجه في وقتها قد تتحول إلى حقائق يصعب تغييرها.
ولهذا فإن الانتباه ليس لحظة وعي عابرة؛ إنه مسؤولية.
مسؤولية تجاه الإنسان، وتجاه الأمن، وتجاه السلام، وتجاه المستقبل.
وفي عالم يتغير فيه كل شيء تقريباً، تبقى هناك ثوابت لا يملك الأردن ترف تغييرها:
أمنه، ومصالح شعبه، وثوابته الوطنية، وأمانة القدس، والتزامه بالسلام.
وحين يصبح الانتباه موقفاً… يكون الأردن حاضراً.
وحين يتحدث الأردن في الأمم المتحدة، فإنه لا يطلب من العالم أن ينظر فقط؛ بل يذكّره بأن بعض القضايا، إذا غاب عنها الانتباه اليوم، فقد يصبح ثمن تجاهلها غداً أكبر من أن يُحتمل.
فالكلمة التي لا تتحول إلى موقف تبقى كلاماً.
والموقف الذي لا يتحول إلى فعل يبقى ناقصاً.
أما حين يتحول الانتباه إلى موقف، والموقف إلى فعل، والفعل إلى حماية للمستقبل، فإن الدولة لا تكون قد تحدثت فقط…
بل تكون قد تركت أثراً.
هكذا تحدث الأردن:
حاضرٌ في الموقف،
ثابتٌ في المبادئ،
ومتنبّهٌ للمستقبل.
المصدر: خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، نيويورك، 22 أيلول 2026، الديوان الملكي الهاشمي.











