نجاح الشركات لا يكتمل عند إعلان الأرباح، ولا يقاس فقط بحجم الإنتاج والتصدير، وإنما يكتمل عندما يتحول جانب من هذا النجاح إلى أثر يلمسه المواطن، وقيمة مضافة في حياة الإنسان والمجتمع.
وحين نتحدث عن شركة مناجم الفوسفات الأردنية، فإننا نتحدث عن إحدى ركائز الاقتصاد الوطني، وشركة عززت إنتاجها واستثماراتها، ورسخت حضور الأردن في الأسواق العالمية.
وقد عكست نتائج الشركة خلال النصف الأول من عام 2026 جانبًا من هذا الأداء؛ إذ بلغت أرباحها الصافية بعد الضريبة نحو 235.119 مليون دينار، فيما بلغت صافي مبيعاتها 717 مليون دينار، بزيادة بلغت 19 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
لكن قيمة النجاح الاقتصادي لا تتوقف عند الأرباح، بل تمتد إلى سؤال أكثر ارتباطًا بالمواطن:
ماذا يترك هذا النجاح وراءه في حياة الناس؟
هنا تبرز المسؤولية المجتمعية باعتبارها مسارًا لتحويل جزء من النجاح الاقتصادي إلى أثر تنموي ملموس.
ومن معان إلى الكرك، تتجسد هذه المسؤولية بصورة عملية. ففي محافظة معان، قدمت شركة مناجم الفوسفات الأردنية إلى مستشفى معان الحكومي أجهزة ومعدات طبية بقيمة نحو 1.3 مليون دينار، من بينها جهاز تصوير طبقي محوري بنحو 600 ألف دينار، إلى جانب أجهزة ومعدات طبية أخرى، وتحديث عدد من الأسرّة.
وامتدت مساهمات الشركة إلى محافظات أخرى، ومنها مستشفى الكرك الحكومي، بما يعكس اتساع نطاق مساهمتها في دعم القطاعات الحيوية والمجتمعات المحلية.
كما أعلنت الشركة أن إجمالي مساهماتها في المسؤولية المجتمعية بلغ نحو 135 مليون دينار خلال السنوات الست الماضية، استحوذت محافظة معان منها على نحو 21 مليون دينار، فيما خصصت الشركة 40 مليون دينار على مدى ثلاث سنوات لدعم قطاعي الصحة والتعليم.
لكن الأرقام، مهما بلغت، ليست الغاية بحد ذاتها.
فالمعيار الأهم لكل إنفاق مجتمعي هو:
ماذا بقي من أثره في حياة الناس؟
ومن هنا، تأتي أهمية الانتقال من ثقافة التبرع إلى ثقافة الاستثمار في التنمية؛ بحيث لا تقاس المسؤولية المجتمعية بحجم الأموال المنفقة فقط، وإنما بما تحققه من خدمات أفضل، ومشاريع مستدامة، وفرص عمل، واستثمار في الإنسان.
وهذا يتسق مع النهج الحكومي برئاسة دولة الدكتور جعفر حسان في مأسسة المسؤولية المجتمعية وتحويلها إلى شراكة تنموية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المحلي. وقد استجابت مؤسسات وطنية لهذا التوجه، ومنها جمعية البنوك الأردنية التي خصصت 90 مليون دينار، وشركة البوتاس العربية 30 مليون دينار، وشركة الكهرباء الأردنية التي أعلنت تخصيص 5 بالمئة من أرباحها على مدى ثلاث سنوات للمسؤولية المجتمعية، إلى جانب مساهمات شركة مناجم الفوسفات الأردنية.
والمسؤولية المجتمعية ليست بديلًا عن دور الدولة، وإنما شراكة تكاملية توجه الموارد نحو أولويات واضحة، ومشاريع قابلة للتنفيذ والمتابعة وقياس النتائج.
ومن موقعنا النيابي، فإننا ننظر إلى هذه المساهمات باعتبارها جزءًا من شراكة وطنية، ونتابع أثرها ونسعى إلى أن تنعكس على الأولويات الحقيقية للمواطنين. فدور النائب لا ينتهي عند نقل المطالب، بل يمتد إلى متابعة تنفيذها وقياس أثرها.
ومعان، بحكم ارتباطها التاريخي والاقتصادي بصناعة الفوسفات، تمثل نموذجًا مهمًا لهذه العلاقة بين الشركة والمجتمع المحلي. وما تقوم به الفوسفات في هذا المجال يقدم تجربة يمكن البناء عليها، وتوسيع ثقافة المسؤولية المجتمعية لتشمل مختلف الشركات والقطاعات.
ولا ينبغي أن يبقى هذا النموذج محصورًا في قطاع أو شركة، بل يمكن أن يمتد إلى مختلف القطاعات، ومن بينها شركات الاتصالات والتكنولوجيا، بحيث تصبح المسؤولية المجتمعية ثقافة مؤسسية راسخة، يساهم فيها كل قطاع وفق إمكاناته ودوره وأولوياته التنموية.
فالمطلوب ليس أن تحل الشركات محل الدولة، وإنما أن تتكامل أدوارها معها، وأن يصبح النجاح الاقتصادي رافدًا إضافيًا للتنمية، من خلال دعم الصحة والتعليم والتدريب والتأهيل والتشغيل والمشاريع الإنتاجية.
ومن معان، نثمّن ما تقدمه شركة مناجم الفوسفات الأردنية، ونقدّر جهود مجلس إدارتها برئاسة معالي الدكتور محمد الذنيبات، وإدارتها التنفيذية ممثلة بالرئيس التنفيذي المهندس عبدالوهاب الرواد، وكافة كوادرها، في دعم القطاع الصحي والمجتمعات المحلية وتحويل جانب من النجاح الاقتصادي إلى أثر تنموي ملموس.
فالمسؤولية المجتمعية لا تُقاس بما تدفعه الشركات فقط، بل بما يبقى من أثر ما دفعته في حياة الناس.
وحين يتحول النجاح الاقتصادي إلى صحة أفضل، وتعليم أقوى، وفرص أوسع، وتنمية مستدامة، يصبح نجاح الشركة جزءًا من نجاح الوطن.
وحين تتكامل قوة الاقتصاد مع دور الدولة، ومسؤولية القطاع الخاص، ورقابة مجلس النواب، واحتياجات المواطن، تتحول المسؤولية المجتمعية من مساهمة مالية إلى أثر وطني مستدام.












