جاء في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، وحمل رسائل سياسية وقانونية وسيادية واضحة، عكست عمق الموقف الأردني تجاه الأزمات التي تشهدها المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وأشارت أبو رمان إلى أن الخطاب انطلق من تشخيص واضح للأزمة الدولية، خاصة في ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مؤكدة أن جلالة الملك وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، بعدما استمرت إدارة الأزمات لعقود بدلاً من معالجة جذورها والوصول إلى حلول عادلة ومستدامة.
وبينت أن من أبرز الرسائل التي حملها الخطاب التأكيد على أن ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية لا يمكن التعامل معه باعتبارهما ملفين منفصلين، في ظل ما تشهده الضفة الغربية من توسع في الاستيطان والاستيلاء على الأراضي والعنف والتهجير، بالتوازي مع ما يتعرض له قطاع غزة من حرب ومعاناة إنسانية واسعة، الأمر الذي يستدعي موقفاً دولياً واضحاً تجاه هذه التطورات.
وأضافت أن جلالة الملك لم يكتفِ بالدعوة إلى وقف الحرب، بل شدد على ضرورة تفعيل أدوات القانون الدولي، بما فيها العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي، عندما تكون هناك انتهاكات تستوجب المساءلة، مؤكدة أن الرسالة الملكية في هذا السياق تؤكد أهمية إنهاء حالة الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، وترسيخ مبدأ المساواة في التعامل مع مختلف القضايا والأزمات.
وفي الشأن الأردني، لفتت أبو رمان إلى أن خطاب جلالة الملك حمل رسالة سيادية واضحة تتعلق بأمن الأردن وحدوده ومصالحه الوطنية، خصوصاً في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة، والتوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، وما قد يترتب عليها من انعكاسات على أمن الإقليم.
وأكدت أن تأكيد جلالة الملك أن أي تهديد للحدود الشمالية للمملكة أو للأمن المائي يشكل تهديداً للأمن القومي الأردني، يعكس وضوحاً في تحديد المصالح الوطنية التي لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفات ثانوية، إلى جانب استمرار الأردن في مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات وتعزيز قدراته الدفاعية وحماية مصالحه الاقتصادية والتكنولوجية.
وقالت أبو رمان إن تأكيد جلالة الملك على التمسك بالدبلوماسية لا يعني بأي حال التنازل عن الثوابت أو التعامل مع المواقف الأردنية من منطلق الضعف، بل يعكس نهجاً يقوم على استخدام الأدوات السياسية والدبلوماسية في الدفاع عن المصالح الوطنية والقيم الإنسانية، مشيرة إلى أن الأردن أثبت على مدى السنوات الماضية أن الدبلوماسية يمكن أن تكون أداة فاعلة في حماية المواقف والمصالح.
وحول مدى انعكاس الخطاب على ثوابت الموقف الأردني، أوضحت أبو رمان أن الخطاب لم يخرج عن هذه الثوابت، وإنما أعاد طرحها بلغة سياسية وقانونية أكثر وضوحاً تتناسب مع طبيعة المرحلة، وفي مقدمتها مركزية القضية الفلسطينية، ودعم حل الدولتين، ورفض التهجير، ودعم صمود الشعب الفلسطيني، إلى جانب دعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، والتمسك بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها.
وأضافت أن الأردن حافظ كذلك على موقفه الثابت الداعي إلى السلام العادل والشامل، إلا أن خطاب جلالة الملك شدد بصورة أكبر على ضرورة أن يكون السلام قائماً على احترام القانون الدولي وتطبيقه بصورة متساوية ودون انتقائية، بما يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويضع حداً لسياسة فرض الأمر الواقع.
وأشارت أبو رمان إلى أن البعد الإقليمي في الخطاب يعكس أيضاً ثابتاً أردنياً راسخاً يقوم على حماية أمن المملكة واستقرارها وعدم السماح بتجاوز خطوطها الوطنية، خصوصاً أن التطورات الأمنية والسياسية في دول الجوار لم تعد شأناً بعيداً عن الأمن الأردني، في ظل الترابط الجغرافي والأمني والمائي والاقتصادي بين دول المنطقة.
وختمت بالقول إن خطاب جلالة الملك يمكن قراءته باعتباره تأكيداً متجدداً للثوابت الأردنية، لكن بلغة أكثر وضوحاً وحسماً تتناسب مع التحولات التي تشهدها المنطقة، إذ جمع بين الموقف المبدئي تجاه القضية الفلسطينية والقانون الدولي، والحرص على الدبلوماسية والشراكات الدولية، وبين التأكيد الصريح على سيادة الأردن وأمنه ومصالحه الوطنية، بما يعكس رؤية أردنية ترى أن حماية الاستقرار لا تنفصل عن معالجة جذور الأزمات وإيجاد حلول سياسية عادلة ومستدامة.










