فرضت التطورات الرقمية، وما ارتبط منها بشكل خاص بالذكاء الاصطناعي، تحولاً كبيراً في جميع الأنظمة، ومنها التعليم الذي وجد نفسه أمام تحدٍ كبير يرتبط بالتحول من الطريقة التقليدية إلى نمط جديد نشط يتمحور حول الطلبة بطرق وأدوات جديدة؛ إذ إن الطرق النمطية التقليدية لم تعد قادرة على مواجهة التغيرات أو تقديم تعليم نوعي يتلاءم مع طبيعة العصر واحتياجات المتعلمين واهتماماتهم المختلفة.
وظهر استخدام الأنظمة الذكية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في عملية التعليم انعكاسات إيجابية كبيرة؛ حيث وفرت هذه الأنظمة تعليماً يراعي الاحتياجات الفردية للطلبة، ويعمل على معالجتها. وتسابقت المؤسسات التعليمية إلى توظيفه في عمليات التعلم والتعليم وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم إذ يُعدّ استخدام المساعد الذكي سراجاً في التعليم، القائم على الذكاء الاصطناعي، خطوة إيجابية إذ يمثل هذا التوجّه انسجاماً مع رؤية سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني في توظيف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا لخدمة العملية التعليمية. ويُعدّ هذا التطور استجابةً للتحول الكبير في أدوات التكنولوجيا، وتحولاً نوعياً في توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة تربوية وقانونية وبإشراف مباشر من المعلمين، مما يُعزّز نجاح العملية التعليمية ويُحدث نقلة نوعية في أساليب التعليم والتعلّم.
وعلى المستوى الدولي عملت الدول والمنظمات الدولية الكبرى على تبني أطر وطنية وعالمية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم ومنها إطار اليونسكو في عام 2021 تحت عنوان "الذكاء الاصطناعي والتعليم: دليل لصانعي السياسات"، والذي ركز على مبادئ أساسية منها بضرورة استخدامه كأداة مساعدة في التعليم وليس بديلاً عن المعلم وهذا تأكيد على جوهر العلاقة الإنسانية للتعلم بين المعلم والطلبة والانصاف والشمول والشفافية والمساءلة والأخلاق وخصوصية البيانات وأمنها وكذلك تبنى الاتحاد الأوربي إطاراً أخلاقياً يركز على منع استخدام الذكاء الاصطناعي لمن هم دون سنة 13 عاماً، وتبنت سنغافورة إطاراً وطنياً لتوظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم.
واليوم وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية بصفتها المظلة المشرفة على التعليم بجميع مستوياته والتي تبنت إجراءات الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي وضمنتها في خطتها الاستراتيجية من حيث توسيع البنية التحتية الرقمية والمنصات المتكاملة، وتعزيز الكفايات الرقمية لدعم الخدمات التعليمية القائمة على الأدلة والقادرة على الاستجابة والاستمرار في ظل التحديات المختلفة
فهي مطالبة بالعمل اليوم على تبني إطار وطني لتوظيف واستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم بحيث يكون متضمناً الحوكمة والضوابط التنظيمية ومنها أخلاقيات توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم وبشكل خاص النزاهة الأكاديمية والمعرفية والمهارات التي يجب أن يتم تمكين الطلبة منها والأمن الرقمي والخصوصية ولابد من تحديد الإطر البيداغوجية لتحديث المناهج وتطويرها لتستجيب للتطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتحديد المرحلة العمرية والنمائية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي من خلال التركيز على المراحل الدراسية العليا وحماية المرحلة الدراسية في الصفوف الثلاثة الأولى من الاستخدام غير الآمن للذكاء الاصطناعي في التعليم.
ولا بد أن يرتبط هذا بإطار مؤسسي وتشريعي يحدد الأدوار والمسؤوليات للمؤسسات التعليمية والتربوية على اختلاف مستوياتها، وكذلك لا بد من العمل على مراجعة الأنظمة والتعليمات الناظمة للعمل في المؤسسات والمرتبطة باستخدام الأدوات الرقمية في التعليم.
وعلى المستوى التنفيذي يجب أن يتضمن الإطار أسس بناء القدرات والتنمية المهنية في المؤسسات التعليمية للمعلمين والقيادات التعليمية، ولا بد من تبني نهج وأدوات توعوية موجهة لأولياء الأمور لإشراكهم بصورة مسؤولة عن توظيف واستخدام الأبناء للذكاء الاصطناعي في تعليمهم.
ولابد من ضمان وجود إطار وطني للمتابعة والتقييم مؤطر بمؤشرات أداء لمتابعة ومراجعة ضوابط الإطار الوطني أعلاه سنوياً لمواكبة التطورات التقنية المتسارعة والتي تشكل فرصاً متاحة لتحسين وتطوير تعلم الطلبة ولابد من وجود موجهات وشراكات مع الجامعات والمؤسسات البحثية المحلية والدولية لإجراء الدراسات حول فاعلية الاستخدام والإفادة منها في تحسين الممارسات المرتبطة بتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم.














