مؤكداً أن ممارسات حكومة الكيان ليست سلوكاً عابراً بل جزء من سياسة متكاملة مدفوعة بأطماع توسعية تمثل تهديداً إقليمياً حقيقياً، وأن الرهان على تغيرها غرقٌ في الأوهام، فإن هذا الطرح يتجاوز كونه خطاباً دبلوماسياً ليغدو بياناً استراتيجياً يؤسس لعقيدة وطنية تستوجب المواءمة على المستويات كافة.
إن الحديث عن دولة تتصرف بلا رادع وتستند إلى وهم الإفلات من العقاب جاعلةً القرارات الدولية مجرد حبر على ورق، يضعنا أمام استحقاق مصيري: كيف نترجم هذا الاستشراف السياسي الحاد إلى واقع حي في بنيتنا الفكرية وقواعدنا المجتمعية لحماية الأردن وتحصين جبهته الداخلية؟
أولى حلقات هذه الترجمة تكمن في إعادة مساءلة أدواتنا التربوية؛ فلا يمكن لعقل سياسي واعٍ أن يحذر من أطماع توسعية دون أن تنسجم الحكومة و تواكب هذا الفهم من خلال نظامنا التعليمي ليُعنى بإعداد الإنسان القادر على مجابهتها وردع صلفها.
لقد آن الأوان لتنسجم مناهجنا انسجاماً تاماً مع هذا التشخيص القيادي المتقدم، فتسمي وزارة التربية والمركز الوطني الأمور بمسمياتها دون مواربة أو حياد زائف إزاء احتلال لا يعرف إلا العدوان.
إن الأصل أن تُدرّس حقيقة هذا المشروع الاستعماري وطبيعته الإلغائية؛ ماضيه وحاضره، ومآلاته المستقبلية التي حذر منها الملك، لبناء عقل الطالب على المناعة الفكرية، والوعي النقدي، والاعتزاز بالسيادة الوطنية، فطالب اليوم هو جندي الغد، ومعلمه، وباني نهضته.
ليدرك النشء أن أمن الأردن ووجوده يرتبطان ارتباطاً عضوياً بإفشال مشاريع التصفية والتهجير، وأن حصانة الفكر هي خط الدفاع الأول الذي يحمي الأجيال من التطويع.
غير أن بناء هذا الإنسان المشبع بالوعي والكرامة يفرض استحقاقاً عملياً لا يمكن تجاوزه؛ فلا يستقيم منطقياً أن نربّي الأجيال على اليقظة إزاء خطر يهدد وجودنا، ثم يُقابَل هذا النبض بالتضييق على الوقفات السلمية أو تقييد التعبير الشعبي، ناهيك عن الملاحقة والتوقيف.
و من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة وطنية شاملة تفتح فضاء التعبير عن التضامن المشرف، وتنعكس فوراً على ملف الموقوفين والمحكومين على خلفية دعم الصمود وإسناد المقاومة أو جمع التبرعات الإغاثية؛ فمن تحرك بدافع الغيرة على أمته وأمن وطنه ليس نداً للدولة ولا خصماً لمؤسساتها، بل هو رصيد شعبي يلتقي في جوهره مع لاءات الأردن الحاسمة.
إن تحصين البيت الداخلي وتمتين الصف يبدأ بمد جسور الثقة وتصفير بؤر التأزيم، وطي هذا الملف بمقاربة سياسية تدرك الفارق الجوهري بين مقتضيات القانون واحتواء الروح الوطنية.
وحين تلتحم المناهج المعرفية التي تغرس الوعي المقاوم، مع قرارات سياسية وازنة تصون حرية التعبير الشعبي وتستوعب المخلصين وتؤطر الإسناد، ومع صوت دبلوماسي جسور في المحافل الدولية، تكتمل حلقة المنعة الوطنية؛ ليتحول الموقف السياسي من خطاب قوي على منصة أممية إلى عقيدة مجتمعية راسخة، وسد منيع تتحطم أمامه كل الأطماع التوسعية.
"النائب الدكتورة هدى العتوم"














