ليس تفصيلاً عابراً أن يأتي خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في موقع متقدم ضمن خطابات قادة العالم في افتتاح المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تنطلق الثلاثاء في نيويورك، في وقت تجتمع فيه الأسرة الدولية تحت عنوان (استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة في خدمة الجميع).
فالترتيب المتقدم للخطاب يحمل، في دلالاته السياسية والبروتوكولية، مساحة مهمة لرسالة الأردن، ويمنحها فرصة الوصول مبكراً إلى قادة العالم وصانعي القرار، في واحدة من أكثر المراحل الإقليمية تعقيداً وحساسية.
الأردن لا يدخل قاعة الأمم المتحدة بخطاب منفصل عن واقعه، ولا يحمل معه مجرد مواقف سياسية قابلة للتداول الإعلامي، بل يدخلها حاملاً تجربة دولة تقع في قلب الإقليم، وتتعامل بصورة مباشرة مع تداعيات الحروب والأزمات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب التطورات في سوريا ولبنان، والحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها.
ومن هنا، تبدو الرسالة الأردنية المنتظرة أوسع من مجرد إعادة التأكيد على ثوابت الموقف السياسي، فالقضية الفلسطينية ستبقى، على الأرجح، في قلب الرسالة الملكية، خصوصاً في ظل استمرار الحرب والتداعيات الإنسانية والسياسية التي خلفتها، ومحاولات دفع الفلسطينيين خارج أرضهم. وقد شكل رفض التهجير والتمسك بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة على أساس حل الدولتين محوراً ثابتاً في الخطاب الأردني أمام المجتمع الدولي خلال السنوات الماضية، ففي خطاب جلالة الملك أمام الجمعية العامة عام 2025، شدد بوضوح على أن الحل لا يمكن أن يكون عبر القوة، وأن الطريق إلى الأمن والاستقرار يمر عبر قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة إلى جانب إسرائيل.
لكن أهمية الخطاب المقبل تكمن في أن الأردن لا يكتفي بتوصيف الأزمة، بل يريد أن يضع أمام المجتمع الدولي مسؤولياته تجاهها، وهنا تبرز نقطة جوهرية العالم لم يعد بحاجة إلى مزيد من البيانات التي تشخص الأزمات بقدر حاجته إلى مسارات قابلة للتطبيق، وهذا تحديداً ما يمكن أن يمنح الخطاب الأردني ثقله؛ أن ينتقل من الحديث عن خطورة استمرار الصراع إلى طرح ما يمكن فعله فعلياً لوقف التصعيد، وحماية المدنيين، ومنع التهجير، وإعادة الاعتبار للقانون الدولي، وفتح الطريق أمام حل سياسي عادل وشامل.
الأردن، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، لا يتعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها ملفات بعيدة، ما يجري في فلسطين ينعكس على أمنه واستقراره، وما يحدث في سوريا ولبنان يرتبط بصورة مباشرة بأمن الحدود ومستقبل المنطقة، كما أن أي تصعيد في المواجهة مع إيران يحمل تداعيات تتجاوز أطراف الصراع إلى الإقليم بأكمله.
ولذلك، من المتوقع أن تحمل اللقاءات الثنائية التي سيجريها جلالة الملك مع عدد من القادة والمسؤولين العرب والغربيين رسائل موازية للخطاب الأممي، بحيث لا تكون القضية الفلسطينية والأزمات الإقليمية وحدها على الطاولة، بل أيضاً المصالح الأردنية المباشرة، وفي مقدمتها حماية أمن المملكة واستقرارها، ومنع انتقال الصراعات إلى ساحتها، وتعزيز الدعم السياسي والاقتصادي للأردن.
ولكن الرسالة الأردنية لا تقف عند السياسة، هناك عنوان آخر لا يقل أهمية، وهو الاقتصاد والشراكات الدولية، فالأردن يريد أن يقدم نفسه أمام العالم باعتباره دولة مستقرة وموثوقة وقادرة على أن تكون جزءاً من الحلول الإقليمية والدولية، لا مجرد دولة تتلقى تداعيات الأزمات.
وهذا يعني أن اللقاءات الثنائية المنتظرة يمكن أن تتحول إلى مساحة لطرح ملفات تتعلق بالاستثمار، والطاقة، والمياه، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والمشاريع التنموية، إلى جانب دعم الاقتصاد الأردني في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد.
فالسياسة الخارجية الأردنية، في صورتها الأوسع، لا تنفصل عن الداخل، وكلما ازدادت المنطقة اضطراباً، أصبحت المحافظة على الاقتصاد والاستقرار الداخلي جزءاً من أدوات حماية القرار الوطني، ولعل الأهم في الرسالة الأردنية أن المملكة لا تتحدث فقط عن شعارات عامة من قبيل السلام والاستقرار، وإنما تحاول وضع أفكار ومسارات للحل على الطاولة، وتقول للمجتمع الدولي إن معالجة أزمات المنطقة لا يمكن أن تبقى أسيرة إدارة الأزمات من عام إلى آخر، بل تحتاج إلى حلول سياسية حقيقية تعالج جذور الصراع.
الأردن يريد أن يسمع العالم موقفه، لكنه في الوقت ذاته يريد أن يسمع العالم ماذا سيفعل، يريد وقف التهجير، ولكنه يريد أيضاً مساراً سياسياً يمنع تكراره، ويرفض الحرب، لكنه يطرح السلام باعتباره مشروعاً سياسياً لا مجرد شعار، ويدافع عن القضية الفلسطينية، لكنه يضع أمام المجتمع الدولي مسؤولية تحويل حل الدولتين من صيغة متداولة إلى واقع سياسي، ويحذر من تداعيات أزمات المنطقة، لكنه في الوقت ذاته يقدم نفسه شريكاً في جهود التهدئة والاستقرار وإعادة بناء الثقة، ولهذا فإن رمزية وجود الأردن في مقدمة المشهد الأممي لا تكمن فقط في رقم ترتيب الخطاب، وإنما في مضمون الرسالة التي يحملها ذلك الخطاب.
رسالة تقول إن الأردن، رغم صغر حجمه الجغرافي، حاضر في ملفات تتجاوز حدوده، وإن استقراره ليس قضية أردنية داخلية فحسب، بل عنصر من عناصر استقرار المنطقة.











