ماذا لو اشتعلت الضفة الغربية والعالم مشغول بسواها؟
أراه أقرب اختبار يواجهه الأردن وأضيقه هامشاً ولو بدت المواجهة مع إيران أكبر منه في العناوين. التوقيت سيء والانتخابات الإسرائيلية في السابع والعشرين من تشرين الأول أي بعد خمسة أسابيع من الآن، وفي مواسم كهذه ينشغل السياسي بحساب أصوات ائتلافه ويرتفع صوت المستوطنين لأن الجميع يسعى لكسبهم.
الملف الإيراني يهم الأردن، لكنه ملف عسكري تحكمه قواعد معروفة حين فتحت عمّان أجواءها في نيسان 2024 لاعتراض الصواريخ والمسيّرات كانت تتحرك ضمن ترتيبات قائمة. الضفة مسألة مختلفة تماماً، فهي تمس تركيبة الأردن السكانية وتعريفه لنفسه ولا تنفع فيها حسابات التحالفات العسكرية.
وإسرائيل ليست كتلة واحدة وإنما تنشطر إلى مؤسسة أمنية تعدّ الكلفة، ويمين استيطاني مستعجل، وحكومة تتأرجح بينهما. سأترك تعقيدات المشهدين الإسرائيلي والفلسطيني لمقال آخر. ما يعني الأردن أن الاستيطان يتمدد في المنطقة ج، وأن حديث الوطن البديل يعود كلما اشتد التوتر، وأن رئيس الحكومة نفسه قال لقناة i24 في آب 2025، ردّاً على سؤال المحاور أنه متعلق جداً برؤية إسرائيل الكبرى.
الموقف الأميركي يحسم قضايا كهذه في أغلب الأحيان أكثر من أي كلفة إقليمية وخذ الجولان مثالاً، قرار مجلس الأمن 497 عام 1981 عدّ الضم باطلاً ولم يغيّر شيئاً أربعين سنة، ثم اعترف ترامب عام 2019 بالسيادة الإسرائيلية فتبدلت الصورة السياسية والقانونية. طبعاً الجولان ليست الضفة: الوقائع هناك قائمة منذ 1981 ولا فلسطينيين فيه ولا يحاذي الأردن. وقد ذكرته هنا لأنه يبيّن وزن الشرعية الأميركية.
والأردن لن يغيّر ترتيب أولويات واشنطن. حين تنشغل الإدارة بإيران أو بميزان القوى في آسيا تنزل الضفة إلى ملفات الروتين، ولن تغيّر ذلك جلسة في الكونغرس ولا ندوة في مركز أبحاث. الإدارات الأميركية تؤجل ملفات حلفائها الصغار إلى أن تنفجر، والضفة الأقرب وأكثر عرضة لذلك لأنها لا تبدو طارئة.
في يدنا ما هو أنفع: موقف أميركي معلن حين قال ترامب في أيلول 2025 على هامش الجمعية العامة أنه لن يسمح لإسرائيل بضم الضفة وأضاف لاحقاً أنها ستخسر الدعم الأميركي كله إن فعلت ذلك. وفي هذا الموقف ثغرة يعرفها الجميع فهو يقصد الضم الرسمي، بينما يجري الضم الفعلي على الواقع بالتقسيط: مصادرات وبؤر جديدة وعنف مستوطنين. تأتي مهمة الدبلوماسية الأردنية في هذا السياق أن توسّع معنى الضم في الفهم الأميركي ليشمل هذا كله، وأن توثّق كل خطوة وتوصلها إلى الإدارة والكونغرس بلغة تفهمها واشنطن: استقرار الأردن يخدم أمن الجوار والوجود الأميركي في المنطقة.
سيقول بعضهم إن الأسلم للأردن أن يلزم الهدوء لاعتماده على المساعدات الأميركية وضائقته الاقتصادية حقيقية. شخصياً أتفهم ذلك جيداً وأعترف أن المخاطرة كلّفتنا في السنوات الأخيرة أحياناً أكثر مما أعادت. لكنني لا أقبل أن يتحول الهدوء الأردني إلى عقيدة ثابتة مهما تغيّرت الوقائع. وما أدعو إليه هادئ أصلاً: تنسيق يومي حول أي تحرك قرب الحدود وتذكير دبلوماسي لا ينقطع.
كل ما سبق يندرج في خطة عمّان (أ). يمارس الأردن بعضها اليوم على دفعات كلما اشتد الحدث ونريدها كأردنيين عملاً يومياً: قناة دائمة مع الإدارة والكونغرس حول الضفة وحدها بعيداً عن ملف المساعدات الذي يبتلع كل نقاش، وتوثيق منهجي لكل خطوة استيطانية، وحضور ثابت للوصاية الهاشمية في الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي طوال السنة. كل هذا لن يغيّر ميزان القوى بين ليلة وضحاها وللخطة افتراض واحد أقرّ به: أن الوقت في صالح التدرج.
جولة جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم الحالية في أوروبا جاءت في وقتها. بدأت في باريس ومرّت بالتشيك، وتنتهي في نيويورك حيث يلقي جلالته كلمة الأردن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
شهد الملك والرئيس ماكرون في قصر الإنفاليد توقيع حكومتي البلدين اتفاقية للتعاون الدفاعي، وصفها البيان الرسمي بأنها إطار شامل ينظم أوجه التعاون في هذا المجال ويعمّق الشراكة الدفاعية بين البلدين. وأعلن الرئيس الفرنسي دعم بلاده لما يتخذه الأردن من إجراءات للحفاظ على أمنه وسلامة مواطنيه وهذا في رأيي أهم ما خرجت به الزيارة، بلد بموقعنا لا يملك ترف الاعتماد على مصدر واحد للسلاح أو التدريب أو التقنية، وفرنسا بصناعتها الدفاعية وحضورها في المتوسط تضيف خياراً حقيقياً أمام مؤسستنا العسكرية والأمنية ويُحسب للعقل السياسي وللدبلوماسية الأردنية أنها أنجزت اتفاقية بهذا الشمول بعد نجاح الجولة الملكية في بكين.
وفي اليوم نفسه استضافت باريس جولة جديدة من اجتماعات العقبة لدعم الجيش اللبناني برئاسة الملك والرئيسين الفرنسي واللبناني. المبادرة أردنية وأطلقها جلالة الملك عام 2015 لتعزيز التعاون الدولي في مواجهة الإرهاب والتطرف وأن تستضيفها عاصمة كبرى فهذا رصيد سياسي للأردن. إلا أنني أفكر فيما يمكن البناء عليه.
قدرة عمّان على جمع الشركاء حول ملف يعنيها ثبتت والصيغة تنتقل. ماذا لو صار للضفة اجتماعات على غرار العقبة تجمع الداعمين حول تمكين المؤسسات الفلسطينية من حفظ النظام وتقديم الخدمات بجدول ومتابعة؟ لبنان يستحق ما يُبذل لجيشه، لكن الضفة أقرب إلى حدودنا وإلى بيتنا.
وقد شدد جلالة الملك في باريس على تكثيف الجهود الدولية لاستعادة التهدئة واحترام سيادة الدول العربية وضمان أمنها وهي لغة تتسع لما نريد. الضفة لم ترد بالاسم فيما قرأته من البيانات الرسمية للقاء ولا أحمّل ذلك أكثر مما يحتمل. الخطوة التالية أن تجد مكانها في الحوار الأمني والسياسي الذي ستنتجه الاتفاقية. فأمن الأردن لا يبدأ من الحدود الشرقية والشمالية وحدها وحدودنا الغربية الطويلة مع الضفة ووادي الأردن تجعل ما يجري غرب النهر شأناً دفاعياً بامتياز.
وفي براغ أكد الملك للرئيس بيتر بافيل أن الأردن يواصل اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنه وسيادته وسلامة مواطنيه. وأعرب الرئيس التشيكي عن اهتمام بلاده بتعزيز التعاون مع الأردن في الدفاع والتجارة والطاقة وإدارة الموارد المائية. ولا أخفي أن براغ من أشد العواصم الأوروبية دعماً لإسرائيل داخل الاتحاد، حين قال وزير خارجيتها هذا العام إن بلاده كانت دائماً مدافعة عن إسرائيل في الاتحاد وستبقى كذلك، وقالت سفيرتها لدى إسرائيل إن براغ ستواصل عرقلة الإجراءات المناوئة لإسرائيل داخل الاتحاد. وهذا نافذة وسبب رئيس لنحاورها لا لنتجنبها فكل دولة تقتنع بكلفة الضم على الاستقرار في بيتها الأوروبي تخفف العبء عن غيرها.
الاتفاقيات تبقى إطاراً حتى تُملأ بالعمل. لذلك أقترح آلية إنذار مبكر مع باريس وبرلين وواشنطن تتناول الضفة نفسها لا محيطها من تقارير دورية عن الاستيطان ورصد ديموغرافي وجلسات مغلقة. ومعها تحالف هادئ مع الفاتيكان وكنائس القدس حتى يصير أي اعتداء على المقدسات أزمة أكبر من جغرافيا النزاع. وحتى الفيتو الأميركي المتوقع على أي قرار في مجلس الأمن يخص الوصاية الهاشمية يمكن تحويله إلى وثيقة في ملف قانوني نبنيه لكل انتهاك. أما أدوات الاتحاد الأوروبي بشأن المستوطنات فشبه معطلة حتى اليوم. عقوباته تحتاج إجماعاً ودولة واحدة تكفي لتعطيلها وقد رأينا أن براغ مستعدة لذلك. لهذا لا أعوّل على القرارات الكبرى في بروكسل وأرى أن الأجدى أن نبدأ بثنائيات قابلة للتحقق من باريس وبرلين ودول شمال أوروبا وإسبانيا وإيرلندا.
أما القاهرة وهي الأهم، سياسات متقاربة وتوافق بالمطلق حين رُفِض التهجير أردنياً ومصرياً وصمد أمام أقصى ضغط ممكن. ففي مطلع شباط 2025 طرح ترامب نقل سكان غزة إلى البلدين، وبعد أيام وقف جلالة الملك عبدالله الثاني في البيت الأبيض وقال (لا) دون مواربة. إن المصلحة مشتركة لدول الطوق وتحتاج انتظاماً لا مجاملة موسمية من خِلال بناء خلية أردنية مصرية دائمة (خلية أمنية وقانونية ودبلوماسية) تُصدر كل ثلاثة أشهر تقييماً مكتوباً يقول ما الذي تغيّر وما المطلوب فعله.
وننتظر غداً من جلالته في نيويورك، خِطاباً يتصدره ملف الضفة في صلب ما يقوله للعالم ولكبار المسؤولين الأمريكيين وهذا ما عهِدناه، وأن يُترجم الموقف الأوروبي بعد الجولة الملكية كموقف داعم وفاعل لاستقرار المملكة.
كل هذا يعمل ما دام الوقت يعمل لصالحنا. وإن لم يعد كذلك، فنحن أمام سؤال آخر سأطرحه في المقال القادم.







