صدى الشعب - راكان الخريشا
قالت المحامية المختصة الدكتورة نور الحديد إن تطوير مدينة عمّان وتحسين الأرصفة وتأمين حق المشاة أمر مطلوب، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يتم من خلال قرارات مفاجئة تمس الأشجار والبيئة دون دراسة معلنة أو مبرر واضح أو إتاحة المجال أمام المواطنين وأصحاب العلاقة للاطلاع وإبداء الملاحظات والاعتراضات قبل التنفيذ.
وأوضحت الحديد أن نظام الأرصفة لأمانة عمّان رقم (19) لسنة 2014 ينظم الرصيف باعتباره مخصصاً لمرور المشاة، ويمنح الأمين صلاحيات محددة في معالجة مخالفات الأرصفة، إلا أن ذلك لا يعني أن كل شجرة موجودة على الرصيف يمكن اقتلاعها دون ضوابط، مشيرة إلى أن بعض الأشجار المعمرة أو النادرة تحظى بحماية خاصة بموجب التشريعات المتعلقة بالزراعة والحراج.
وأضافت أن قرار وزارة الزراعة رقم (24) المتعلق بتحديد الأشجار المعمرة أو النادرة والنباتات البرية المهددة بالانقراض وحظر قطعها، يفرض حماية على أنواع محددة من الأشجار، وبالتالي فإن نوع الشجرة وعمرها وموقعها قد تكون عوامل مؤثرة في تحديد الوضع القانوني لإزالتها.
وبينت أن مديرية الحراج في وزارة الزراعة تضطلع بحماية الثروة الحرجية، ووضع الشروط والمعايير الفنية المتعلقة بالتقليم واستبدال الأشجار الحرجية، فضلاً عن التوصية بأنواع الأشجار التي يمنع قطعها باعتبارها معمرة أو نادرة.
وأكدت الحديد أن الأمر، في حال كانت الأشجار المستهدفة من الأنواع المشمولة بالحماية، لا يعود مجرد مسألة مرتبطة بالرصيف أو باختصاص أمانة عمّان وحدها، وإنما يتطلب أيضاً مراعاة الحماية المقررة بموجب التشريعات الزراعية، داعية إلى تحديد نوع الأشجار وأعمارها، وبيان ما إذا كانت مدرجة ضمن الأشجار المحمية، والكشف عن الأساس القانوني والفني الذي يستند إليه قرار الإزالة.
وأشارت إلى أن التعامل السابق مع بعض شكاوى تقليم وقص الأشجار يؤكد أهمية تحديد الاختصاصات، إذ سبق أن أشارت الأمانة في حالات إلى أن بعض الشكاوى تقع ضمن اختصاص وزارة الزراعة، وأنها تقوم بمخاطبة الجهات الحكومية المختصة عندما تكون الحالة خارجة عن نطاق اختصاصها.
وشددت على أن مجرد إعلان الأمانة أن إزالة الأشجار تتم بعد الكشف والتقييم الفني لا يحسم المسألة من الناحية القانونية، إذ ينبغي أن يكون هناك تقييم فني فعلي يبرر إزالة كل شجرة، مع بحث البدائل الممكنة، مثل التقليم أو تعديل حوض الشجرة أو تعديل مسار الرصيف أو نقلها، قبل اللجوء إلى الاقتلاع.
وقالت إن غياب دراسة منشورة لا يعني بالضرورة أن القرار غير قانوني، لكنه يجعل من حق المواطن طلب الاطلاع على الدراسة والتقرير الفني والأساس القانوني للقرار، خصوصاً إذا كان من شأن الإزالة المساس بشجرة سليمة أو معمرة أو ذات قيمة بيئية.
وأضافت أن نقل الشجرة إلى المشتل لا يحسم وحده مسألة قانونية الاقتلاع، إذ يجب أولاً أن يكون هناك سند قانوني للإزالة، وأن تكون الحالة داخلة ضمن اختصاص الجهة التي تتخذ القرار، وأن يستند الإجراء إلى تقييم فني يثبت الحاجة إليه.
وفي السياق ذاته، لفتت الحديد إلى أن أمانة عمّان تملك صلاحيات تتعلق بتحديد أنواع الأشجار وأحواضها ومواصفاتها عند إنشاء الأرصفة، الأمر الذي يجعل من الأفضل معالجة أي تعارض بين الأشجار والأرصفة منذ مرحلة التصميم والترخيص، بدلاً من زراعة الأشجار ثم اقتلاعها بعد سنوات بحجة تعارضها مع حركة المشاة.
وأكدت أن التخطيط السليم يتيح تصميم الأرصفة وأحواض الأشجار بطريقة تحقق الهدفين معاً، بحيث يكون الرصيف مناسباً للمشاة ويحافظ في الوقت ذاته على الغطاء النباتي، وفي حال ظهور مشكلة لاحقاً ينبغي دراسة البدائل قبل اتخاذ قرار الاقتلاع.
وأشارت إلى أن المواطن يتحمل كلفة إنشاء الرصيف وفق المواصفات التي تحددها الأمانة، ولذلك فإن معالجة أي تعارض يظهر بعد سنوات ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار الحلول التخطيطية والهندسية البديلة، بدلاً من اعتبار إزالة الأشجار الحل الأسرع.
وقالت الحديد المطلوب ليس تعطيل عمل أمانة عمّان، وإنما احترام حق المواطن في المعرفة والمشاركة قبل تحويل القرار إلى أمر واقع، من خلال إتاحة الدراسة والتقرير الفني الخاص بالموقع، وبيان الأساس القانوني للقرار، وتحديد الأشجار المستهدفة وأسباب اختيارها، والبدائل التي جرى بحثها ولماذا تم استبعادها.
وأضافت أن تطوير عمّان لا ينبغي أن يتحول إلى مفاضلة بين سلامة المشاة والحفاظ على الأشجار، مؤكدة أن المدينة تحتاج إلى أرصفة آمنة وأشجار في الوقت ذاته، وأن الحل يكمن في التخطيط المتوازن الذي يحافظ على الاثنين.
ودعت إلى منح أصحاب العلاقة والمواطنين مدة معقولة لإبداء ملاحظاتهم واعتراضاتهم قبل التنفيذ، وعدم اعتبار التصريح أو الخبر الصحفي بديلاً عن القرار الإداري والإجراءات القانونية الواجبة.
وفيما يتعلق بحجة تأمين حركة المشاة، تساءلت الحديد عن مدى معالجة بقية العوائق التي تمنع استخدام الأرصفة فعلياً، مثل الأرصفة المتهالكة والحفر والبلاط المكسور، والسيارات التي تحتل مساحات المشاة، والتعديات، وحاويات النفايات، ومخلفات البناء، وأعمدة الخدمات، والمناهل غير المستوية، وأعمال الإنشاءات التي تغلق ممرات المشاة.
كما أشارت إلى ضرورة تفعيل الرقابة على السلوكيات والمخالفات التي تعيق استخدام الأرصفة، بما في ذلك ترك فضلات الحيوانات الأليفة، معتبرة أن معالجة هذه العوائق يجب أن تكون جزءاً من خطة شاملة لتحسين الأرصفة، قبل اللجوء إلى إزالة الأشجار السليمة.
وختمت الحديد بالتأكيد على أن عمّان تحتاج أرصفة آمنة وأشجاراً، وليس أرصفة آمنة من الأشجار، والحل ليس إزالة أحدهما لحساب الآخر، بل اعتماد تخطيط مستدام يضمن حق المشاة ويحافظ على الغطاء النباتي ويحترم القانون وحق المواطن في المعرفة والمشاركة.











