"قد ينسى الطفل ما تعلّمه في المدرسة، لكنه قد لا ينسى أبدًا كيف جعلته كلمةٌ من زميله يشعر تجاه نفسه."»
مع اقتراب عودة أبنائنا إلى المدارس، هناك درس أهم من كل الدروس التي نحرص على أن يتعلموها: أن يكونوا رحماء.
فلنجلس معهم، ولنحدّثهم عن التنمّر بوضوح، لا باعتباره مجرد مزحة أو موقف عابر، بل باعتباره سلوكًا قد يترك أثرًا عميقًا في نفس طفل، ويؤثر في ثقته بنفسه وشعوره بالأمان وانتمائه إلى المكان الذي يقضي فيه جزءًا كبيرًا من يومه.
علّموهم أن اختلاف الناس في أشكالهم وألوانهم وأجسامهم وقدراتهم وطريقة كلامهم أمر طبيعي، وأن هذا الاختلاف ليس عيبًا ولا سببًا للسخرية. فالله خلقنا مختلفين، ولم يجعل اختلافنا مبررًا لأن يؤذي بعضنا بعضًا.
علّموهم أن إطلاق الألقاب، وتقليد الآخرين للسخرية منهم، والتعليق على أشكالهم، واستبعادهم من اللعب، أو الضحك عليهم أمام الآخرين، كلها صور من التنمّر، حتى لو قيلت تحت عنوان "كنا نمزح".
قولوا لهم: المزحة التي تُضحكك وتُبكي غيرك ليست مزحة.
وعلّموهم أيضًا ألا يكونوا متفرجين. فالضحك مع المتنمّر، أو التصوير، أو إعادة نشر المقاطع، أو الصمت أمام الأذى، قد يجعلهم جزءًا من المشكلة.
علّموهم أن يكونوا صوتًا لمن لا يستطيع الدفاع عن نفسه، وأن يقتربوا من الطفل الذي يجلس وحيدًا، وأن يشاركوه الحديث واللعب، وأن يطلبوا مساعدة المعلم أو المسؤول عندما يرون موقفًا يتجاوز حدود المزاح.
نريد أن نربي أبناءنا على أن القوة ليست في أن تؤذي الأضعف، والشجاعة ليست في أن تسخر من المختلف، والتميز ليس في أن تشعر غيرك بأنه أقل منك.
القوة الحقيقية أن تمتلك القدرة على احترام من يختلف عنك، وأن تستخدم كلماتك لتجبر خاطرًا لا لتكسر قلبًا.
إن مواجهة التنمّر لا تبدأ من المدرسة وحدها؛ بل تبدأ من البيت. تبدأ من الطريقة التي نتحدث بها أمام أبنائنا عن الآخرين، ومن الكلمات التي نسمح بها، ومن القيم التي نزرعها فيهم كل يوم.
فلنعلّم أبناءنا أن المدرسة ليست مكانًا للتعلم الأكاديمي فقط، بل مساحة يتعلمون فيها الاحترام، والتعاون، والرحمة، وقبول الآخر.
لأننا حين نربي طفلًا على الرحمة، فإننا لا نحمي طفلًا واحدًا من التنمّر فقط… بل نُسهم في صناعة جيلٍ كامل يعرف كيف يكون إنسانًا.







