النقاش الدائر اليوم حول نتائج الثانوية العامة، وتضخم المعدلات، والإقبال الكبير على الحقل الصحي، وما ترتب على ذلك من خيبة أمل لدى أعداد من الطلبة الذين لن يتمكنوا من الالتحاق بالتخصصات التي كانوا يطمحون إليها، ينبغي ألا يُختزل في مشكلة امتحان أو قبول جامعي؛ بل يجب أن يكون فرصة لإعادة النظر في فلسفة التعليم والتقويم وتوجيه الطلبة واختيار الحقول والمسارات.
وأتحدث هنا من موقع الخبرة والمسؤولية السابقة في وزارة التربية والتعليم، ومن قناعة راسخة بأن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينطلق من قاعدة أساسية:
«الطالب أولاً؛ نكتشف قدراته وميوله واستعداداته، ثم نوجهه إلى المسار والحقل والتخصص الذي يتناسب معه.»
أولاً: المشكلة ليست في ارتفاع المعدلات وحده/
ارتفاع أعداد الطلبة أصحاب المعدلات المرتفعة يستدعي دراسة علمية دقيقة؛ لأن أي نظام تعليمي يجب أن يكون قادراً على التمييز بين مستويات الطلبة، بما ينسجم مع التوزيع الطبيعي للقدرات.
المشكلة ليست أن يحصل الطالب على 98% أو 99%، وإنما أن يصبح المعدل العام المعيار شبه الوحيد لتحديد مستقبل الطالب الجامعي والمهني.
فالتحصيل الدراسي شيء، والقدرات والاستعدادات والميول شيء آخر. وقد يحصل طالبان على المعدل نفسه، بينما تختلف قدراتهما وميولهما بصورة كبيرة.
لذلك لا يجوز أن نقول للطالب: لأن معدلك مرتفع فأنت بالضرورة مناسب للطب أو الهندسة أو أي تخصص آخر.
ثانياً: الحقول يجب أن توجه الطالب لا أن تصنفه/
فكرة الحقول والمسارات يمكن أن تكون مدخلاً مهماً لتطوير التعليم، لكنها تصبح مشكلة عندما يختار الطالب الحقل في سن مبكرة دون أن تكون لديه معرفة كافية بقدراته وميوله واستعداداته.
والأخطر أن يتحول اختيار الحقل الصحي، على سبيل المثال، إلى استجابة لضغط الأسرة والمجتمع وصورة المكانة الاجتماعية لبعض المهن، وليس نتيجة توجيه تربوي ومهني علمي.
ولهذا فإن المطلوب ليس إلغاء الحقول بالضرورة، وإنما إعادة بناء فلسفتها وآلية اختيارها، بحيث يكون الحقل نتيجة لاكتشاف الطالب، وليس وسيلة لتصنيفه مبكراً.
ثالثاً: معالجة عاجلة للطلبة الذين أنهوا الثانوية العامة/
هناك قضية آنية لا تحتمل الانتظار إلى حين إصلاح النظام كاملاً.
فالطلبة الذين أنهوا الثانوية العامة وفق النظام الحالي أصبحوا أمام واقع جديد، وخصوصاً طلبة الحقل الصحي الذين قد يجدون أنفسهم أمام منافسة شديدة على عدد محدود من المقاعد في التخصصات التي يرغبون بها.
ومن العدالة ألا نحمّل هؤلاء الطلبة وحدهم نتائج خلل في تصميم النظام أو آليات التوجيه التي سبقت اختيارهم للحقل.
لذلك أقترح معالجة استثنائية وعادلة لهذه الدفعة، تقوم على:
1. إعادة دراسة أوضاع طلبة الحقل الصحي بصورة فردية ومنهجية.
2. عدم اعتماد المعدل العام وحده في توجيههم إلى التخصصات الجامعية.
3. وضع آلية لقياس قدراتهم واستعداداتهم وميولهم، والاستفادة منها في تحديد التخصصات المناسبة لهم.
4. توسيع دائرة التخصصات المتاحة أمامهم داخل المجالات العلمية والصحية وما يرتبط بها.
5. تقديم بدائل جامعية وتقنية ومهنية حقيقية للطلبة الذين لا تتناسب قدراتهم مع التخصص الذي اختاروه.
6. ضمان أن تكون المعالجة عادلة وشفافة ومتكافئة بين الطلبة، وأن ترفع الظلم عمن اختاروا الحقل في ظل منظومة لم تكن قد اكتملت أدوات التوجيه فيها.
والهدف ليس منح امتياز غير مستحق لأحد، وإنما تصحيح مسار توجيه طلبة اختاروا حقولهم في ظل نظام يحتاج إلى تطوير.
رابعاً: معالجة سريعة لاختيار الحقول قبل الصف الأول الثانوي/
أما الطلبة الذين لم يصلوا بعد إلى المرحلة الثانوية، فيجب ألا نكرر معهم المشكلة نفسها.
ينبغي تطوير آلية اختيار الحقول قبل الصف الأول الثانوي، بحيث لا تعتمد على رغبة الطالب وحدها، ولا على معدل عام فقط، ولا على ضغط الأسرة، وإنما على ملف متكامل للطالب يتضمن تحصيله، وقدراته، وميوله، واستعداداته، ومهاراته.
ويكون دور المدرسة والأسرة والمرشد التربوي مساعدة الطالب على اتخاذ القرار، وليس اتخاذ القرار نيابة عنه.
وبذلك يصبح السؤال:
ما الحقل الذي يناسب هذا الطالب؟
بدلاً من:
أي حقل يستطيع هذا الطالب دخوله؟
وهذا فرق جوهري في فلسفة التربية.
خامساً: المطلوب تغيير فلسفة التعليم والتقويم
الإصلاح الحقيقي لا ينتهي بحل مشكلة هذه الدورة من الثانوية العامة.
نحن بحاجة إلى خطة وطنية متدرجة لتغيير فلسفة التعليم والتقويم والتوجيه في إطار رؤية وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية.
ويجب أن تقوم هذه الخطة على الانتقال:
من الحفظ إلى الفهم والتطبيق والتحليل،
ومن تصنيف الطلبة إلى اكتشاف قدراتهم،
ومن توجيه الجميع نحو تخصصات محددة إلى تنويع المسارات،
ومن المعدل الواحد إلى منظومة متكاملة لقياس القدرات والميول والاستعدادات.
كما يجب إعادة تصميم الامتحانات لتكون أكثر قدرة على التمييز بين مستويات الأداء، وعدم السماح للمعدل العام بأن يكون وحده بوابة تحديد مستقبل الطالب.
سادساً: المدرسة يجب أن تكتشف مستقبل الطالب قبل الثانوية/
لا يمكن أن نطلب من الطالب أن يختار مساره وحقلَه في المرحلة الثانوية دون أن نكون قد اكتشفنا قدراته وميوله قبل ذلك بسنوات.
لذلك يجب بناء نظام وطني للتوجيه والإرشاد يبدأ من مراحل التعليم الأولى، ويتطور تدريجياً، بحيث يصل الطالب إلى المرحلة الثانوية وهو أكثر معرفة بنفسه وبقدراته وبالخيارات المتاحة أمامه.
ثم يُهيأ، منذ وقت مبكر، للتخصص الجامعي أو التقني أو المهني الذي يناسبه.
وهنا يجب أن نفتح أمام الطلبة مسارات متعددة ومحترمة، تشمل:
- الكليات العلمية والطبية.
- الكليات الإنسانية والاجتماعية.
- التخصصات اللغوية والإبداعية.
- التخصصات الهندسية والتكنولوجية والرقمية.
- التعليم التقني والمهني.
فليس المطلوب أن نوجه أكبر عدد ممكن من الطلبة إلى الجامعة، وإنما أن نوجه كل طالب إلى المكان الذي يستطيع أن ينجح فيه ويبدع ويخدم وطنه.
سابعاً: الإصلاح يجب أن يكون منظومة واحدة/
لا يمكن معالجة الثانوية العامة بمعزل عن الحقول والمسارات والقبول الجامعي وسوق العمل.
نحتاج إلى منظومة مترابطة:
القدرات والميول → التوجيه → المسار → الحقل → التقويم → الثانوية العامة → التخصص الجامعي أو التقني والمهني → سوق العمل.
وأي إصلاح لا يربط هذه الحلقات ببعضها سيعيد إنتاج المشكلة بصورة مختلفة.
الخلاصة/
ما نشهده اليوم يجب ألا يتحول إلى مجرد نقاش حول ارتفاع المعدلات أو انخفاضها، ولا إلى تحميل الطلبة مسؤولية اختيارات صنعتها المنظومة التعليمية والاجتماعية من حولهم.
نحن أمام فرصة لإعادة بناء فلسفة التعليم على أساس أكثر عدالة وواقعية:
«ليس الهدف أن نرفع معدلات الطلبة، وإنما أن نضع كل طالب في المسار الذي يتناسب مع قدراته وميوله واستعداداته.»
وعلى المدى العاجل، علينا أن ننصف الطلبة الذين أنهوا الثانوية العامة، وبخاصة طلبة الحقل الصحي، من خلال آلية عادلة ومرنة تساعدهم على الوصول إلى التخصصات التي تتناسب مع قدراتهم واستعداداتهم، وتوفر لهم بدائل حقيقية عندما لا يكون التخصص الذي يرغبون فيه مناسباً أو متاحاً.
وعلى المدى المتوسط، علينا أن نعيد النظر سريعاً في طريقة اختيار الحقول قبل دخول الصف الأول الثانوي، بحيث يكون الاختيار قائماً على التوجيه العلمي والمهني، لا على المعدل والرغبة المجردة والضغط الاجتماعي.
أما على المدى الاستراتيجي، فنحن بحاجة إلى خطة وطنية تعيد صياغة فلسفة التعليم والتقويم والتوجيه، وتعيد توزيع الطلبة على مسارات التعليم العلمي والإنساني واللغوي والتقني والمهني وفق قدراتهم وميولهم، وتهيئهم منذ المدرسة للتخصصات الجامعية والمهن التي يستطيعون أن يبدعوا فيها.
فالعدالة التعليمية ليست أن نعطي جميع الطلبة الفرصة نفسها فحسب؛ بل أن نساعد كل طالب على الوصول إلى المكان الذي يناسبه.
وهذه، في تقديري، هي النقلة التي نحتاج إليها اليوم:
من تعليم يصنف الطالب بحسب معدله، إلى تعليم يكتشف الإنسان ويقوده إلى مستقبله.











