ولعل أخطرها ما يُعرف بالابتزاز الإعلامي الذي أقصُد به استغلال بعض العاملين في حقل الاعلام الرقمي لنفوذهم وقدرتهم على تشكيل الرأي العام؛ بهدف إخضاع تلك المؤسسات لمطالب شخصية أو أجندات سياسية واقتصادية عبر التهديد بنشر معلومات مضللة أو تقارير مغلوطة، وهذه الممارسة لا تنسحب بحال على عموم الجسم الصحفي الذي يضم قامات مهنية رفيعة تلتزم بأخلاقيات المهنة وتسعى لنقل الحقيقة بموضوعية؛ غير أن وجود هذه الظاهرة يستدعي وقفة جادة وتحليلاً معمقاً لتداعياتها على النسيج المؤسسي الوطني.
تتجلى أضرار هذا السلوك المنحرف في مستويات متعددة تمس صميم عمل المؤسسات؛ فأول ما يُستهدف هو السمعة المؤسسية التي تُعد رأس المال غير الملموس لأي كيان تنظيمي، إذ إن الحملات الإعلامية الممنهجة القائمة على التضليل تُحدث تشوهاً عميقاً في الصورة الذهنية للجمهور؛ مما يُضعف الثقة ويُولّد شكوكاً حول نزاهة الأداء، وينتقل الأثر لاحقاً إلى الجانب التشغيلي حيث ينشغل القائمون على المؤسسة بالرد على الاتهامات الملفقة بدلاً من التركيز على تحقيق الأهداف الاستراتيجية المرسومة، ولا يقف الضرر عند هذا الحد بل يمتد ليطال العلاقات الاستثمارية والشراكات التجارية؛ فتردد المستثمرين في ضخ أموالهم ببيئة إعلامية ملوثة يُعد مؤشر خطير على التراجع الاقتصادي المحتمل.
تكشف الوقائع الميدانية في عدد من الأقطار العربية ( وبلادنا ليست بمنعزل عنها ) عن أنماط متشابهة من هذا الاستغلال؛ ففي إحدى الدول لجأت شبكة إعلامية واسعة الانتشار إلى تهديد مؤسسة وطنية بنشر تقارير مفبركة ما لم تُلبَّ مطالبها الخاصة، وتكررت الحادثة في بلد آخر حين عمد صحفي إلى مساومة شركة كبرى مالياً مقابل حجب معلومات سلبية عنها، كما سُجّلت حالة استغل فيها سياسي بارز تحالفه مع مجموعة من الناشطين الرقميين للضغط على جهة حكومية خدمةً لمصالحه الضيقة، وتبقى الحالة الأبرز تلك التي تشكّل فيها حلف بين منصة إذاعية وصحفي لنشر تفاصيل قضية اكتشفتها كوادر مؤسسة وطنية وأحالتها للقضاء؛ حيث سُربت تفاصيل غير دقيقة لا تمت للمسؤولية المؤسسية بصلة، وكانت الغاية الوحيدة من تلك الهجمة الابتزازية انتزاع عقد عمل وترخيص منشأة.
تتعدد الدوافع الكامنة وراء هذه الممارسات المشينة وتتشابك عواملها؛ إذ يقف الطمع المادي في صدارة المحفزات حين يسعى بعض المشتغلين بالإعلام لاستثمار موقعهم في انتزاع مكاسب مالية أو عينية من المؤسسات المستهدفة، ويليه الدافع الانتقامي أو الأيديولوجي الذي يدفع أطرافاً بعينها لتوظيف المنابر الإعلامية أداةً لتصفية حسابات شخصية أو ترويج توجهات معينة، كما يبرز عامل المنافسة على السبق والحصول على معلومات حصرية؛ فيلجأ بعض الناشطين الرقميين إلى التهديد بنشر محتوى سلبي ما لم تُفتح أمامهم أبواب البيانات المحجوبة، وهذا التنوع في البواعث يجعل المواجهة أكثر تعقيداً ويستلزم مقاربات شمولية.
تقتضي المواجهة الفاعلة لهذه الظاهرة تبني منظومة متكاملة من الإجراءات الوقائية والعلاجية؛ فعلى المستوى المؤسسي ينبغي إعداد برامج تدريبية متخصصة تُحصّن الكوادر البشرية ضد أساليب التلاعب الإعلامي وتُكسبهم مهارات التعامل الاحترافي مع الأزمات الاتصالية، كما يتحتم بناء جسور تعاون متينة مع وسائل الإعلام الجادة لنشر إنجازات المؤسسة وإبراز دورها التنموي؛ مما يُشكّل درعاً واقياً يُقلص فرص الاستهداف، ولا بد أيضاً من تعزيز مبادئ الشفافية والإفصاح الطوعي عن القرارات والأنشطة؛ فسرعة الرد على الادعاءات الكاذبة ببيانات رسمية موثقة وتحقيقات داخلية دقيقة تُجفف منابع الشائعات قبل أن تتحول إلى أزمات مستعصية، شريطة ألا تكون القضايا محل الجدل قد انتقلت إلى أروقة القضاء والجهات الرقابية المختصة.
يتحمل المشرّع والهيئات الرقابية العبء الأكبر في ردع هذه التجاوزات عبر سنّ تشريعات رادعة وتفعيل النصوص القانونية القائمة؛ فالقانون الأردني الجديد للجرائم الإلكترونية مثلاً عالج جوانب من هذه الإشكالية وإن كان يحتاج إلى تجويد بعض المصطلحات الفضفاضة وتفعيل المواد ذات الصلة على أرض الواقع، وينبغي أن تمتد يد الدولة لتشمل التحقيق الجاد في كل بلاغ ابتزاز وملاحقة مرتكبيه بعقوبات تتناسب مع جسامة الفعل، فضلاً عن تقديم المساندة القانونية والاستشارية للمؤسسات المتضررة لمساعدتها على استعادة سمعتها وإعادة بناء صورتها أمام الرأي العام؛ ما يدفع بالمطالبة بتشريع قانون الاعلام الشامل لكل ما يخص الاعلام الاردني من ألفه الى يائه.
يبقى التأكيد على أن الغالبية الساحقة من الصحفيين والإعلاميين في بلادنا هم أهل علم ومهنية يلتزمون بصراط النهج القويم لنقابة الصحفيين الأردنيين في ممارسة مهنة المتاعب؛ فهم من يكشفون الخلل ويُسهمون في إصلاح المؤسسات لا في ابتزازها، غير أن الطفرة المُتجدّدة في حالات الاستغلال مؤخراً تفرض على الجميع وقفة تأمل ومراجعة؛ فالسكوت عن هذه الممارسات يُهدد مصداقية المهنة بأكملها ويُضعف المناعة المجتمعية أمام التضليل، والمأمول أن تتضافر جهود المشرّعين والإعلاميين الشرفاء والمؤسسات الوطنية لاجتثاث هذه الآفة ونبذها من جسد المجتمع الإعلامي الأردني ؛ فليس من المعقول ان يساء للمهنة ومؤسسات الوطن من أجل عدم ترخيص النرجيلة في مقهى رغم انها مخالفة للقوانين والتعليمات الرسمية.










