صدى الشعب-أسيل جمال الطراونة
أكدت أستاذة العلوم السياسية الدكتورة أريج جبر أن مذكرة “إسلام أباد” التي جاءت عقب مرحلة من التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، لا يمكن اعتبارها تحولًا استراتيجيًا أو اتفاقًا نهائيًا بين الطرفين، وإنما جاءت نتيجة الضرورات التي فرضتها المرحلة، بعد أن تكبد الجانبان كلفًا عسكرية واقتصادية مرتفعة دفعت نحو البحث عن تفاهمات مؤقتة لاحتواء الأزمة.
وأوضحت جبر أن إيران واجهت خلال الفترة الماضية ضغوطًا كبيرة بفعل الحصار وانعكاساته على الموانئ والاقتصاد الداخلي، في حين تحملت الولايات المتحدة تداعيات مباشرة تمثلت بارتفاع أسعار النفط والطاقة، إضافة إلى اضطراب سلاسل الإمداد والتوريد الغذائي، الأمر الذي فرض ضغوطًا اقتصادية وسياسية استدعت تحركًا أمريكيًا لاحتواء التصعيد.
وأضافت أن دول الخليج مارست خلال هذه المرحلة ضغوطًا متزايدة لإنهاء المواجهة بين واشنطن وطهران، والسعي نحو صيغة تضمن قدرًا من الأمن والاستقرار في المنطقة، وهو ما تُرجم عبر وساطة باكستانية قطرية، إلى جانب تحركات خليجية غير معلنة جرت من خلال اتصالات ثنائية مع باكستان وإيران، بهدف إدخال الأخيرة ضمن معادلة إقليمية أكثر استقرارًا.
ورغم ذلك، شددت جبر على أن المذكرة لا تستدعي التفاؤل المطلق، وإنما تفرض حالة من التفاؤل الحذر، باعتبارها تمنح استقرارًا هشًا أكثر من كونها تقدم حلًا جذريًا للخلافات.
وبينت أن قراءة بنودها الأربعة عشر تكشف عن صياغة معقدة راعت الهواجس الإيرانية، لكنها في الوقت نفسه حملت شروطًا وضغوطًا أمريكية مستقبلية، بما يجعلها قابلة للاهتزاز عند أول اختبار سياسي أو أمني.
وأشارت إلى أن الاجتماعات الثنائية التي استضافتها قطر، وما رافقها من تشكيل خمس لجان عمل لتقريب وجهات النظر، أسهمت في كشف حجم الفجوة الحقيقية بين الطرفين، إذ لا تزال المؤشرات تؤكد غياب أي توافق قريب أو تغيير جوهري في طبيعة العلاقة، في ظل استمرار العداء السياسي والخلافات الأيديولوجية.
وبينت أن الولايات المتحدة ما تزال تنظر إلى إيران باعتبارها مصدرًا لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وتعتبر برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية مصدر تهديد إقليمي ودولي، خاصة مع امتداد مدى الصواريخ الإيرانية إلى أكثر من ألفي كيلومتر، وقدرتها على الوصول إلى القواعد الأمريكية في المنطقة.
في المقابل، أوضحت جبر أن إيران ترفض بشكل قاطع إدراج قدراتها الصاروخية ضمن أي مفاوضات، معتبرة أنها تمثل ركيزة أساسية في منظومة الردع والدفاع الوطني، كما تؤكد أن امتلاكها لهذه القدرات يعد حقًا مشروعًا أسوة بالعديد من الدول.
وفيما يتعلق بالبرنامج النووي، أكدت أن إيران ترى أنها قدمت الضمانات اللازمة لإثبات سلمية برنامجها، وتقبل بمبدأ الرقابة والتفتيش، لكنها ترفض استخدام الوكالة الدولية للطاقة الذرية كأداة ضغط سياسي تخدم المصالح الأمريكية. وأضافت أن طهران لا تزال تسمح باستمرار أعمال التفتيش في محطة بوشهر، بينما تعتبر أن أوضاع منشآت نطنز وفوردو وأصفهان أصبحت مختلفة بعد تعرضها لأضرار واستهدافات خلال المواجهات الأخيرة، في حين تؤكد الولايات المتحدة أنها دمرت أجزاء كبيرة من هذه المنشآت وأجهزة الطرد المركزي، الأمر الذي يجعل استمرار المطالبة بالوصول إلى اليورانيوم ورقة ضغط إضافية على إيران.
ورأت جبر أن ملف مضيق هرمز يبقى الأكثر حساسية، باعتباره أحد أهم الممرات الاقتصادية العالمية، موضحة أن إيران تتعامل معه وفق رؤية تقوم على امتلاك القوة وفرض قواعد الواقع، مع تمسكها بإدارة الملاحة بالشراكة مع سلطنة عمان استنادًا إلى التفاهمات القائمة، ورفضها لأي محاولات لتغيير هذه المعادلة.
وأضافت أن لقاءات عُمان والبحرين أفرزت محاولات لطرح مسار ملاحي بديل يسمح بالعبور المجاني، وهو ما اعتبرته طهران تجاوزًا للتفاهمات السابقة، الأمر الذي أدى إلى توجيه الحرس الثوري تحذيرات لعدد من السفن، قبل أن يتم استهداف إحدى السفن التي لم تستجب، وهو ما أعاد التوتر إلى المنطقة ودفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربات استهدفت مواقع عسكرية ومنظومات صاروخية ورادارات إيرانية، لترد طهران على تلك الهجمات.
واعتبرت أن ما شهدته الساعات الأخيرة لا يتجاوز كونه جزءًا من عملية شد وجذب بين الطرفين، سواء بهدف تسريع الوصول إلى تفاهمات أو إعادة رسم قواعد الاشتباك، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة، رغم حديثها عن احتواء إيران، واصلت العمل على مسارات ضغط غير معلنة لعزلها إقليميًا والحد من فرص التقارب بينها وبين دول الخليج، خاصة بعد دعوات السعودية وسلطنة عمان وقطر إلى التعامل مع إيران باعتبارها قوة إقليمية فاعلة ضمن معادلة الشرق الأوسط وغرب آسيا.
وفي السياق ذاته، أوضحت جبر أن الضغوط الأمريكية امتدت إلى محاولة تقليص نفوذ إيران الإقليمي، ولا سيما في لبنان، حيث بدأت لجنة مراقبة وقف إطلاق النار تمهد، بحسب تقديرها، لتحويل الساحة اللبنانية إلى مساحة تنسيق أمني ومواجهة داخلية مع حزب الله، وهو ما ينذر بزيادة الانقسامات السياسية والطائفية.
وأضافت أن لبنان يقف اليوم أمام مرحلة شديدة الحساسية، في ظل الانقسام الداخلي حول هذا المسار، وتثبيت الوجود الإسرائيلي في الجنوب ومناطق قريبة من بيروت، دون ضمانات واضحة تحفظ سيادة الدولة اللبنانية، الأمر الذي يقرب المشهد، وفق وصفها، من حالة الوصاية الأمريكية.
واختتمت جبر حديثها بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تقوم على شراء الوقت من قبل الولايات المتحدة وإيران، بالتوازي مع تثبيت موازين القوة وإعادة صياغة قواعد الاشتباك، معتبرة أن الخطابات السياسية فقدت الكثير من تأثيرها، فيما تبقى المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالين رئيسيين؛ إما التوصل إلى تفاهمات جديدة، أو استمرار الصراع بين الطرفين.










