إنّ الجرائم التي تستهدف الإنسان في أمنه وحقه في الحياة وكرامته، أو تقوم على الكراهية الدينية، لا ينبغي أن تنتهي عند حدود الشجب والإدانة، مهما كانت الإدانة واجبة والمواقف المبدئية ضرورية؛ بل يجب أن تكون نقطة انطلاق نحو دراسة علمية جادّة، تتجاوز توصيف الجريمة إلى فهم أسبابها، وتحليل دوافعها، واستكشاف البيئات الفكرية والاجتماعية التي قد تُغذّيها، ووضع خطط عملية لمعالجة جذورها وتجفيف منابعها.
فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: مَن ارتكب الجريمة؟ بل أيضًا: كيف تشكّل الوعي الذي يبرّرها؟ وما العوامل التي سمحت للكراهية بأن تتقدّم على قيمة الإنسان؟ وأين أخفقت مؤسسات التنشئة والتعليم والتوجيه في بناء المناعة الفكرية والأخلاقية؟
إنّ المعالجة الرصينة تقتضي ألّا نستبق نتائج التحقيق، أو نختزل الدوافع قبل التثبّت منها، ولكنها تقتضي، في الوقت نفسه، ألّا نهرب من الأسئلة الكبرى التي تفرضها مثل هذه الحوادث على المجتمع والدولة ومؤسسات الفكر والتربية.
وهنا تبرز جملة من الملفات التي تستحق المراجعة العلمية الجادّة:
أولًا: المناهج التعليمية وبناء الوعي.
هل تنجح مناهجنا في بناء عقل نقدي، وشخصية متوازنة، وإنسان قادر على التمييز بين الاختلاف والعداء، وبين الاعتقاد الديني الصحيح والتعصّب الأعمى؟ وهل تُخرّج أجيالًا تمتلك القدرة على الحوار، وفهم النصوص في سياقاتها ومقاصدها، ومواجهة الأفكار المنحرفة بالحجة والمعرفة؟
إنّ القضية ليست في تكثيف المواد الشرعية أو تقليصها، بل في جودة محتواها، وسلامة منهج تدريسها، وقدرتها على بناء الفهم العميق للدين، وترسيخ مقاصده في حفظ النفس والكرامة الإنسانية، وتحرير التدين من مظاهر الغلوّ والتعصّب. فكم من معرفةٍ بقيت حبيسة الحفظ، وكم من ممارسةٍ رفعت شعار التدين ولم تستوعب أخلاق الدين ومقاصده!
ثانيًا: الخطاب الديني الرسمي ومنهج الوعظ والإرشاد.
هل يلامس خطابنا الديني أسئلة العصر الحقيقية، ويواجه منابع الغلوّ بوضوح وشجاعة علمية، أم يكتفي أحيانًا بالمواعظ العامة التي لا تنفذ إلى مواطن الخلل؟
إنّنا بحاجة إلى خطاب يجمع بين أصالة النص، وعمق الفهم، وحكمة التنزيل على الواقع؛ خطاب يربّي على الرحمة والعدل، ويحصّن العقول من الاستقطاب، ويُحسن مخاطبة الشباب بلغتهم وأسئلتهم، ويقدّم البرهان على الانفعال، والحجة على التلقين، والبصيرة على الشعارات.
وليس من الإنصاف أن نُحمّل الخطاب الديني وحده مسؤولية كل انحراف، لكن من الواجب أن نراجع أثره، وفاعلية أدواته، ومدى قدرته على مواجهة الأفكار التي توظّف الدين لتسويغ الاعتداء على الإنسان.
ثالثًا: الإعلام وصناعة الوعي العام.
في عصرٍ تحوّل فيه العالم إلى قرية اتصالية واحدة، لم تعد الكلمة مجرّد رسالة عابرة؛ فقد تصبح فكرةً راسخة، أو تحريضًا متداولًا، أو صورةً مشوّهة عن الآخر.
ومن هنا تبرز ضرورة مراجعة الرسالة الإعلامية، وآليات التحقق من المعلومات، ومسؤولية المنصات في مواجهة التحريض والكراهية، ومدى قدرة الإعلام على تعزيز المواطنة والتنوّع، بدلًا من إعادة إنتاج الاستقطاب أو تحويل الاختلاف إلى خصومة.
رابعًا: البيئة الاجتماعية والثقافة السائدة.
لا ينشأ الوعي في المدرسة وحدها، ولا يتشكّل في المسجد أو عبر وسائل الإعلام فقط؛ بل تسهم الأسرة، والبيئة الاجتماعية، والخطاب المتداول، والتجارب الشخصية، والشعور بالعدالة والانتماء، في تشكيل تصوّرات الإنسان ومواقفه.
لذلك، فإنّ تفكيك أسباب العنف يستوجب دراسةً متعددة التخصصات، تشترك فيها التربية وعلم الاجتماع وعلم النفس والدراسات الدينية والقانون والإعلام، بعيدًا عن التعميم والاتهام، وبعيدًا عن اختزال الظاهرة في سبب واحد أو تحميل جماعة كاملة مسؤولية فعل فرد أو أفراد.
خامسًا: استلهام الهدي النبوي في إدارة الاختلاف وبناء المجتمع.
لقد قدّم الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، نموذجًا في بناء مجتمع تتعايش فيه مكوّنات مختلفة ضمن أطر من الحقوق والعهود والمسؤوليات. ولم تكن إدارة الاختلاف في هديه قائمة على إلغاء الآخر، بل على العدل والوفاء بالعهد، وصيانة الحقوق، وحسن المعاملة، وضبط الخصومة بالقيم.
إنّ استحضار هذا النموذج لا يكون بمجرد الاستشهاد بالنصوص، بل بتحويل دلالاتها إلى مناهج تربوية، وممارسات اجتماعية، وسياسات عامة، وثقافة مواطنة تحمي كرامة الإنسان وتصون حقه في الحياة والأمن.
إنّ المواطنة ليست شعارًا يُرفع عند الأزمات، والتنوّع ليس عبئًا على المجتمع؛ بل إنّ صيانة حقوق الناس، على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم، معيارٌ لسلامة الوعي، ونضج الدولة، ورسوخ القيم الإنسانية.
ولذلك، فإنّ ما نحتاج إليه اليوم ليس مزيدًا من البيانات التي تنتهي بانتهاء تداول الخبر، بل مشروع مراجعة وطنية مؤسسية، يبدأ بالتشخيص العلمي، ويمرّ بتحديد مواطن الخلل، وينتهي إلى خطط قابلة للتنفيذ، ومؤشرات لقياس الأثر، ومراجعة دورية للنتائج.
إنّ إدانة الجريمة واجب، والعدالة واجبة، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون واجبة؛ لكن الوقاية من تكرارها مسؤولية لا تقلّ أهمية، ولا تتحقق إلا بفهم الأسباب المثبتة، ومواجهة عوامل الخطر، وبناء وعي يحول دون تحوّل الاختلاف إلى كراهية، والكراهية إلى تحريض، والتحريض إلى عنف.
فهل نمتلك شجاعة الانتقال من إدانة الجريمة إلى دراسة جذورها، ومن استنكار نتائجها إلى إصلاح البيئات التي قد تُنتجها، ومن ردود الفعل المؤقتة إلى مشروع وطني مستدام لبناء الإنسان وتحصين الوعي وصيانة السلم المجتمعي؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي ألّا يغيب عنّا بعد أن تخفت الأضواء، وينصرف الناس إلى شؤونهم، وتبقى جذور المشكلات، إن لم نواجهها، تنتظر فرصة أخرى للظهور.





