في نيويورك مشهداً دبلوماسياً لافتاً، تمثل في انسحاب جماعي لعشرات الوفود الدبلوماسية ، قُدّر عددها بنحو 77 دولة ، بينها وفود عربية وإسلامية وأوروبية وأفريقية ، وذلك احتجاجاً على خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو .
ومع صعود نتنياهو إلى منصة الجمعية العامة وبدء كلمته ، بدأت القاعة تفرغ من الوفود ، لتبدو المقاعد خالية إلى حد كبير، في مشهد حمل دلالة سياسية ودبلوماسية واضحة ، وعكس حجم الاعتراض الدولي على السياسات الإسرائيلية والحرب المستمرة في المنطقة ، ولا سيما ما يجري في غزة والجنوب اللبناني ، إضافة إلى التوترات والتدخلات الإسرائيلية في الأراضي السورية .
ولم يتوقف المشهد عند مغادرة الوفود للقاعة ، إذ تعالت الهتافات وصيحات الاستهجان مع بدء كلمة نتنياهو، في رسالة احتجاجية أرادت من خلالها وفود وشخصيات دبلوماسية التعبير عن رفضها لما تعتبره استمراراً للحرب والانتهاكات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين في غزة والجنوب اللبناني .
وفي المقابل شن نتنياهو هجوماً على الوفود التي غادرت القاعة ، ووصف أصحاب هذا الموقف بأنهم «جبناء أخلاقياً» ، بل دعا كل من يشعر بالموقف نفسه إلى مغادرة القاعة قبل أن يبدأ حديثه ، في مشهد بدا فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي وكأنه يخاطب قاعة فارغة أكثر مما يخاطب ممثلي المجتمع الدولي .
ولم يسلم عمدة نيويورك "زهران ممداني " من هجوم نتنياهو، الذي اتهمه بمعاداة السامية ، وزعم أن كثيراً من اليهود لم يعودوا يشعرون بالأمان في نيويورك وجاء ذلك في أعقاب انتقادات حادة وجهها "ممداني " إلى نتنياهو خلال وقت سابق من الأسبوع ، ووصفه بأنه مجرم حرب ، مع إقراره بأنه لا يملك صلاحية اعتقاله أثناء وجوده في نيويورك ، رغم تعهده بذلك خلال حملته الانتخابية .
وكعادته نتنياهو كان كالثعلب الذي لبس لباس الناسكين والواعظين ، انتقل في خطابه إلى الدفاع عن إسرائيل ونفي مسؤوليتها عن الاتهامات المتعلقة بجرائم الحرب وما يجري في غزة ، في محاولة لتبرئة حكومته من المسؤولية عن الكارثة الإنسانية التي لحقت بالقطاع ، لكن السؤال الذي يفرض نفسه : إذا لم تكن الحكومة الإسرائيلية ومسؤولوها مسؤولين عن هذه الحرب ، فمن المسؤول عن هذا العدد الهائل من القتلى والجرحى والدمار الذي طال المدن والمنازل والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية ، وأعاد أجزاء واسعة من غزة إلى مشاهد الدمار الشامل ؟
ولم يتوقف نتنياهو عند ذلك ، بل شن هجوماً على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، واصفاً إياه بالديكتاتور والطاغية ، كما هاجم دولة قطر وقناة الجزيرة، في خطاب اتسعت فيه دائرة الخصوم لتشمل دولاً وشخصيات ووسائل إعلام مختلفة في العالم وهاجم الدول الاوروبية التي خرجت فيها مظاهرات تندد بالمجازر الاسرائيلية في غزة .
وذهب نتنياهو أبعد من ذلك عندما وجه انتقادات إلى عدد من الدول الأوروبية ، في الوقت الذي لا يمكن فيه تجاهل التاريخ الاستعماري لبعض تلك الدول ودورها في تشكيل واقع المنطقة ، وفي مقدمة ذلك بريطانيا ، التي ارتبط اسمها بوعد بلفور الذي مهّد لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وكذلك فرنسا التي كان لها دور تاريخي في دعم إسرائيل وتطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية وقدمت لإسرائيل مساعدة نووية مباشرة في مشروع ديمونا في خمسينيات القرن العشرين .
لقد كان مشهد مغادرة الوفود للقاعة أكثر من مجرد انسحاب بروتوكوليأ ، فقد تحول إلى صورة سياسية اختزلت حجم الخلاف الدولي حول الحرب الإسرائيلية وسياساتها في المنطقة فبينما كان نتنياهو يتحدث ، كانت الكراسي الفارغة هي التي تتصدر المشهد ، وكأنها أصبحت الرسالة الأوضح التي أرادت تلك الوفود إيصالها .
قد يختلف العالم في مواقفه السياسية ، وقد تتباين الدول في حساباتها ومصالحها ، لكن مشهد القاعة الفارغة سيبقى واحداً من أبرز المشاهد التي رافقت كلمة نتنياهو في الأمم المتحدة ، فالرجل الذي جاء ليخاطب العالم وجد نفسه في لحظة سياسية لافتة يتحدث أمام مقاعد غادرها أصحابها، في مشهد حمل رسالة احتجاج دبلوماسية وسياسية لا تحتاج إلى كثير من التفسير .
ويبقى السؤال الأهم : هل تستطيع إسرائيل الاستمرار في تجاهل هذا الحجم المتزايد من الاعتراض الدولي ، أم أن مشهد الكراسي الفارغة سيكون مؤشراً إلى اتساع الفجوة بينها وبين جزء كبير من المجتمع الدولي ؟


