أثار الهجوم المسلح الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، خلال مراسم تشييع جنازة، ردود فعل واسعة، لما حمله الاعتداء من أبعاد أمنية واجتماعية، وسط تساؤلات حول طبيعة العملية، والجهات التي تقف خلف منفذيها، والرسائل التي أراد الاعتداء إيصالها.
وفي قراءة عسكرية للعملية، اعتبر الخبير العسكري والاستراتيجي ضيف الله الدبوبي أن أسلوب تنفيذ الهجوم يشير، وفق تقديره، إلى وجود مستوى من التدريب لدى المنفذين، لافتًا إلى أن طريقة تبادل الأدوار أثناء إطلاق النار والانسحاب تعكس أسلوبًا من أساليب العمليات التي تعتمدها الخلايا المسلحة.
وقال الدبوبي إن تنفيذ العملية بهذه الطريقة لا يبدو عشوائيًا، مشيرًا إلى أن اختيار الموقع والتوقيت يمكن أن يكونا قد سبقهما عمل استخباري ومعاينة للهدف، من خلال دراسة المنطقة، وتحديد نقاط الدخول والخروج، ومعرفة طبيعة الحركة الأمنية فيها.
وأضاف أن الهجوم، وفق قراءته، يحمل مؤشرات على وجود جهة منظمة تقف خلف المنفذين، مشددًا على ضرورة انتظار نتائج التحقيقات الرسمية لمعرفة حقيقة الجهات التي تقف وراء العملية، وعدم الاستناد إلى معلومات غير مكتملة بشأن مصير المنفذين أو الجهات الداعمة لهم.
وأشار الدبوبي إلى أن طريقة تنفيذ العملية والانسحاب منها توحي، بحسب تقديره، بأن المنفذين كانوا قد أعدوا مسبقًا لخطة تحركهم، بما في ذلك كيفية تنفيذ الهجوم ومغادرة المنطقة وتجنب الملاحقة الأمنية.
وفي البعد الاجتماعي، أكد الدبوبي أن هذه المجموعات لا تمثل المجتمع الأردني، معتبرًا أن المجتمع الأردني لطالما عُرف بالتعايش بين مكوناته الدينية والاجتماعية، وأن الاعتداء على مكان للعبادة لا يعكس طبيعة العلاقات القائمة بين أبناء المجتمع.
ودعا إلى انتظار نتائج التحقيقات الأمنية للكشف عن كامل ملابسات الحادثة والجهات التي تقف خلفها، مؤكدًا أن التعامل مع مثل هذه الاعتداءات يجب أن يستند إلى المعلومات التي تكشفها التحقيقات الرسمية.
من جانبه، رأى عميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة مؤتة الدكتور وليد العويمر أن الاعتداء يمثل حدثًا بالغ الخطورة، لأنه لم يستهدف موقعًا عسكريًا أو منشأة حكومية، وإنما وقع في مكان للعبادة وأثناء مراسم تشييع جنازة.
وقال العويمر إن خصوصية موقع الحادثة وتوقيتها تضفي عليها أبعادًا اجتماعية ونفسية تتجاوز وقوع جريمة قتل، موضحًا أن دور العبادة تمثل فضاءات دينية واجتماعية يفترض أن يشعر المواطنون فيها بالأمان، فيما تعد مراسم التشييع مناسبات إنسانية تجمع الأسر والأقارب وأبناء المجتمع.
وأشار إلى أن استهداف هذه البيئة من شأنه مضاعفة الأثر النفسي والاجتماعي للاعتداء، وإثارة تساؤلات حول أمن التجمعات المدنية وحماية دور العبادة، إلى جانب ما يمثله من مساس بالحق في الحياة وحرية ممارسة الشعائر الدينية.
واعتبر العويمر أن خطورة الاعتداء تكمن أيضًا في احتمال توظيف العنف لإثارة الانقسام المجتمعي، أو اختبار قدرة الدولة على حماية المواطنين ودور العبادة والحفاظ على السلم الأهلي، مؤكدًا أن استهداف مكون ديني داخل المجتمع يمكن أن يحمل رسائل تتجاوز المكان الذي وقعت فيه الجريمة.
وفي ما يتعلق بالأبعاد الإقليمية، طرح العويمر قراءة مفادها أن الجهات التي تقف خلف منفذي الاعتداء قد تسعى إلى التأثير في المواقف الأردنية تجاه عدد من الملفات الإقليمية، بما فيها التطورات في الضفة الغربية وقطاع غزة، والحرب بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية، إضافة إلى احتمالية عودة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وبحسب العويمر، قد يكون من بين الرسائل التي تحاول الجماعات المتطرفة إيصالها الضغط على الأردن لإعادة النظر في مواقفه تجاه هذه الملفات، أو دفعه إلى تبني موقف أكثر حيادًا، مع محاولة استخدام التهديد بتنفيذ عمليات جديدة داخل المملكة كوسيلة للضغط.
ويؤكد الخبيران أن تحديد طبيعة العملية والجهات التي تقف خلفها يبقى مرتبطًا بنتائج التحقيقات الرسمية، في وقت تفرض فيه حساسية الاعتداء التعامل مع الحادثة من منظورين متوازيين: أمني يركز على كشف المنفذين ومن يقف خلفهم، واجتماعي يحافظ على حالة التعايش ويمنع توظيف الحادثة في إثارة الانقسام داخل المجتمع الأردني.
وفي المحصلة، تفتح حادثة كنيسة حمود نقاشًا أوسع حول طبيعة التهديدات التي يمكن أن تواجهها التجمعات المدنية ودور العبادة، وحول قدرة الجماعات المتطرفة على توظيف الأحداث المحلية في خدمة أهداف أمنية أو سياسية، فيما تبقى نتائج التحقيقات الرسمية العامل الحاسم في تحديد طبيعة العملية وخلفياتها والجهات المرتبطة بها.





