أبو خضر: لا ينبغي أن يتحمل المواطن نتائج أعطال الخدمات العدلية الإلكترونية
أبو خضر: التحول الرقمي يحتاج إلى ضمانات تحمي حقوق المواطنين
أبو خضر: توثيق الأعطال بصور الشاشة ورسائل الخطأ يحفظ حقوق المتضررين
أعاد تعطل خدمات كاتب العدل الإلكترونية الاسابيع الماضية، وما ترتب عليه من صعوبات في إنجاز بعض المعاملات، فتح النقاش حول الضمانات اللازمة لحماية حقوق المتعاملين مع المنظومة العدلية الرقمية، في وقت تستعد فيه وزارة العدل لتوسيع نطاق التحول الإلكتروني في المحاكم خلال المرحلة المقبلة.
ومع انتقال المزيد من الإجراءات العدلية إلى البيئة الرقمية، تبرز تحديات تتجاوز الجوانب الفنية لتشمل الآثار القانونية المحتملة لانقطاع الخدمات، ومدى قدرة الإجراءات المعمول بها على حماية المواطنين والمحامين من تبعات الأعطال التي قد تحول دون استكمال معاملاتهم في الوقت المحدد.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع ارتباط بعض المعاملات بإجراءات ومواعيد قانونية، الأمر الذي يطرح تساؤلات بشأن آليات التعامل مع حالات التعطل، والمسؤولية عن الأضرار التي قد تنشأ عنها، ومدى توافر بدائل تضمن استمرار تقديم الخدمات دون المساس بمصالح المتعاملين.
وفي ظل التوسع المرتقب في رقمنة إجراءات التقاضي، تبرز الحاجة إلى بحث مدى كفاية التشريعات والضمانات القائمة لمواكبة هذا التحول، وتحديد المتطلبات القانونية والتقنية اللازمة لضمان استقرار الخدمات العدلية الإلكترونية وصون الحقوق المرتبطة بها.
وكانت وزارة العدل قد أعلنت، قبل أسابيع، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، عن وجود "خلل فني مؤقت في عملية جلب المستندات الرقمية الصادرة عن الجهات الشريكة، ومنها وثائق الأحوال المدنية، والخاصة بخدمات كاتب العدل الرقمية، بما فيها الإنذارات العدلية عن بُعد".
وأوضحت الوزارة، في إعلانها، أن العطل خارج عن اختصاصها، وأن وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة تعمل على معالجته، داعية المحامين والمواطنين إلى إنجاز معاملاتهم حضوريا لدى كاتب العدل خلال فترة إصلاح الخلل، على أن يُعلن لاحقا عن عودة الخدمات إلى طبيعتها.
الأعطال الفنية وتداعياتها القانونية
وبهذا السياق، أكدت الخبيرة القانونية نور فارس أبو خضر أن التحول إلى خدمات كاتب العدل الإلكترونية يشكل خطوة إيجابية ومهمة في مسار تحديث منظومة العدالة في الأردن، لما يوفره من سرعة في إنجاز المعاملات، وتوفير الوقت والجهد، وتقليل الحاجة إلى مراجعة المحاكم والدوائر المختصة حضورياً.
وشددت أبو خضر خلال حديثها لـ"صدى الشعب" على أن نجاح هذه التجربة يرتبط باستقرار الخدمات وقدرتها على تلبية احتياجات المواطنين والمحامين بصورة متواصلة وفعالة.
وقالت أن الأعطال الفنية، وعدم اكتمال بعض الخدمات، وصعوبة الربط بين الأنظمة الإلكترونية المختلفة، قد تؤدي إلى تأخير المعاملات أو اضطرار المراجع إلى إعادة الإجراءات أو مراجعة الدائرة حضورياً، الأمر الذي يقلل من الفائدة المرجوة من الرقمنة.
وأضافت أن تأييد التحول الرقمي لا يعني إغفال التحديات المرتبطة بتطبيقه، وإنما يستدعي العمل على بناء منظومة رقمية متكاملة ومستقرة، تسبق التوسع فيها اختبارات عملية كافية، مع توفير الدعم الفني والخيارات البديلة التي تضمن استمرارية تقديم الخدمات.
وأوضحت أبو خضر أن أثر تعطل الخدمات الإلكترونية قد يتجاوز التأخير الإداري إلى المساس بمصالح قانونية فعلية، خصوصاً عندما ترتبط المعاملة بميعاد قانوني، أو بإجراء تنفيذي، أو بتقديم وكالة أو تصديق مستند ضروري لإقامة دعوى أو متابعة معاملة رسمية.
وبينت أن تعطل النظام الإلكتروني لا يؤدي تلقائياً إلى وقف المواعيد القانونية أو تمديدها، ما لم يوجد نص قانوني أو قرار صادر عن الجهة المختصة يجيز ذلك في الحالة المعنية، الأمر الذي قد يضع المواطن أو المحامي أمام إشكالية حقيقية إذا تعذر عليه إنجاز الإجراء بسبب خلل تقني خارج عن إرادته.
ونصحت المتضررين بتوثيق العطل فور حدوثه، والاحتفاظ بصور الشاشة ورسائل الخطأ، وتسجيل تاريخ ووقت محاولة إنجاز المعاملة، إلى جانب تقديم شكوى أو طلب رسمي إلى الجهة المختصة لإثبات تعذر استكمال الإجراء.
وأكدت ضرورة وجود آلية رسمية لإثبات فترات التعطل، وإجراءات واضحة لمعالجة المعاملات المتأثرة بها، إلى جانب تمكين المتضررين من اللجوء إلى الجهات القضائية المختصة للمطالبة بحقوقهم متى توافرت الشروط القانونية، مشددة على أنه لا ينبغي أن يتحمل المواطن وحده نتائج خلل تقني لم يكن له يد فيه.
المسؤولية القانونية وتحديد الجهة المعنية
وفيما يتعلق بالمسؤولية القانونية عن الأعطال، أوضحت أبو خضر أن تحديد الجهة المسؤولة يتطلب النظر في مصدر الخلل، والجهة التي يقع النظام المتعطل ضمن اختصاصها، ومدى التزام كل جهة بواجباتها الفنية والإدارية، إضافة إلى إثبات الضرر وعلاقة السببية بينه وبين الخلل.
وقالت إن وقوع العطل في نظام تابع لجهة حكومية أخرى، أو نتيجة عدم التكامل بين الأنظمة الإلكترونية، لا يعني بالضرورة إعفاء الجهة التي تقدم الخدمة العدلية من كل مسؤولية، كما لا يعني تحميلها المسؤولية تلقائياً، إذ يتعين تحديد دور كل جهة ومدى وجود خطأ أو تقصير منسوب إليها، وفق التشريعات واجبة التطبيق.
وأشارت إلى أن إثبات الضرر يستلزم الاحتفاظ بما يثبت محاولة إنجاز المعاملة، والمراسلات والشكاوى المقدمة، وأي إشعارات رسمية بوجود عطل، فضلاً عن المستندات التي تثبت الضرر الفعلي المترتب عليه، مثل فوات فرصة إجرائية أو تكبد نفقات إضافية.
وبينت أن المطالبة بالتعويض عن الضرر الناجم عن عمل الإدارة أو امتناعها تخضع للقواعد القانونية المتعلقة بالمسؤولية الإدارية، واختصاص القضاء، وشروط استحقاق التعويض، موضحة أن وجود العطل وحده لا يكفي دائماً للحكم بالتعويض، بل يتطلب الأمر بحث الخطأ والضرر وعلاقة السببية وفق الحالة المعروضة.
وشددت على أهمية وجود بروتوكول واضح بين الجهات الحكومية يحدد الجهة المسؤولة عن معالجة الخلل، وآلية توثيقه، وكيفية التعامل مع آثاره القانونية، بدلاً من ترك المواطن يتنقل بين الدوائر دون الوصول إلى حل.
البدائل وخطط الطوارئ لضمان استمرارية الخدمة
وحول مدى كفاية توجيه المواطنين إلى إنجاز معاملاتهم حضورياً عند تعطل النظام الإلكتروني، قالت أبو خضر إن هذا الإجراء قد يشكل حلاً مؤقتاً لتجاوز بعض الأعطال، لكنه لا يُعد كافياً لضمان استمرارية الخدمات العدلية.
وأوضحت أن التحول الرقمي الحقيقي يتطلب وجود خطط طوارئ تضمن استمرار تقديم الخدمات، وأنظمة احتياطية، وآليات لاستعادة البيانات، ومركز دعم فني قادر على الاستجابة السريعة، إلى جانب إجراءات بديلة معتمدة قانونياً عند تعذر استخدام النظام الإلكتروني.
وأضافت أنه ينبغي التمييز بين المعاملات التي يمكن إنجازها حضورياً دون أن يترتب على ذلك ضرر، والمعاملات التي تتطلب إجراءً عاجلاً أو ترتبط بميعاد محدد، أو يكون إنجازها حضورياً غير متاح عملياً للمراجع.
وأكدت أهمية توفير آلية رسمية لتسجيل محاولات تقديم المعاملات خلال فترة العطل، وإصدار إشعارات تثبت تعذر تقديمها، مع تحديد كيفية معالجة الآثار المترتبة على التأخير.
وشددت على أن الخدمة العدلية لا ينبغي أن تتوقف بسبب توقف النظام التقني، وألا يتحول المواطن إلى حلقة وصل بين الأنظمة الحكومية المختلفة، مؤكدة أن استمرارية الخدمة يجب أن تكون جزءاً أساسياً من تصميم المنظومة الرقمية، وليست مجرد إجراء يُبحث عنه بعد وقوع المشكلة.
التشريعات والضمانات القانونية للتحول الرقمي
وفيما يتعلق بمدى كفاية التشريعات والإجراءات الحالية للتوسع في رقمنة إجراءات التقاضي، أوضحت أبو خضر أن التشريعات الأردنية تتضمن أطرًا قانونية لتنظيم المعاملات الإلكترونية، إلى جانب التشريعات التي تحكم الإجراءات القضائية والتوثيق وحماية البيانات.
وأكدت أن تقييم كفاية هذه التشريعات لا ينبغي أن يقتصر على وجود نصوص قانونية تجيز استخدام الوسائل الإلكترونية، بل يجب أن يشمل مدى قدرتها على معالجة المشكلات العملية التي تظهر عند التطبيق.
وحددت أبرز المسائل التي تستدعي المعالجة، وفي مقدمتها حجية المستندات والتوقيعات الإلكترونية، من خلال توضيح معايير التحقق من صحة المستند ونسبته إلى صاحبه وسلامته من التعديل.
كما أشارت إلى أهمية حماية البيانات والسرية، وضمان عدم الوصول غير المصرح به إلى الوكالات والمستندات والبيانات الشخصية، ووضع ضوابط واضحة لحفظها وتداولها.
وفيما يتعلق بحقوق الدفاع والتبليغ، شددت على ضرورة ضمان وصول التبليغات والإشعارات بصورة صحيحة، وعدم الإضرار بحقوق المتقاضين نتيجة خلل في الإرسال أو الاستلام.
ولفتت إلى أهمية وضع قواعد واضحة للتعامل مع الأعطال التي تمنع تقديم الطلبات أو استكمال المعاملات ضمن المدد القانونية، إلى جانب تحديد آليات الإبلاغ عن الخلل وتوثيقه ومعالجة نتائجه، والجهات المختصة بالنظر في الشكاوى.
وأكدت أن التوسع في رقمنة إجراءات التقاضي يستوجب مراعاة مبدأ المساواة في الوصول إلى العدالة، بحيث لا يصبح نقص الخبرة التقنية أو ضعف الإمكانات الرقمية عائقاً أمام ممارسة الحق في التقاضي.
وبينت أن المطلوب ليس بالضرورة استحداث تشريعات جديدة في كل مسألة، وإنما مراجعة التشريعات النافذة وتحديد مواضع القصور فيها، واستكمالها بتعليمات وإجراءات تنفيذية واضحة وقابلة للتطبيق.
ثلاثة مسارات لضمان استقرار الخدمات
وحول الخطوات اللازمة لضمان استقرار الخدمات العدلية الإلكترونية وحماية الحقوق، قالت أبو خضر إن الوصول إلى منظومة عدلية رقمية موثوقة يتطلب العمل على ثلاثة مسارات متكاملة، هي التشريعي والتقني والإداري والمؤسسي.
وأوضحت أن المسار التشريعي يتطلب وضع قواعد واضحة لمعالجة المواعيد والإجراءات التي يتعذر إنجازها بسبب الأعطال التقنية، وتنظيم المسؤولية القانونية للجهات المعنية وفق اختصاصاتها، وآليات إثبات الضرر والمطالبة بالتعويض، كما يشمل تحديد حجية السجلات الإلكترونية وإشعارات تقديم المعاملات وإثباتات التعطل، وتعزيز الضمانات المتعلقة بسرية البيانات وحقوق الدفاع وسلامة التبليغات.
وبينت أن المسار التقني يتطلب توفير أنظمة احتياطية وبنية تقنية قادرة على تحمل الأعطال واستعادة الخدمة بسرعة، واختبار الأنظمة قبل إطلاقها، وإجراء اختبارات دورية للأمن السيبراني والتكامل بين الجهات الحكومية.
وأضافت أن من المتطلبات الأساسية إنشاء سجل إلكتروني موحد للأعطال يحدد وقت بدايتها وانتهائها والخدمات المتأثرة بها، وتوفير إشعارات فورية للمستخدمين، وخدمة دعم فني فعالة، وقنوات بديلة آمنة ومعتمدة.
وأكدت أبو خضر أن المسار الإداري والمؤسسي يستدعي تحديد مسؤولية كل جهة عن تشغيل النظام وصيانته ومعالجة الأعطال، ووضع بروتوكول موحد للتعامل مع الشكاوى والمعاملات المتضررة.
كما يتطلب تدريب الموظفين والمحامين والمستخدمين على الإجراءات الإلكترونية والبديلة، وإشراك نقابة المحامين في تقييم الخدمات وتحديد المشكلات التي تظهر أثناء الممارسة العملية.
وفيما يتعلق بمعايير تقييم جاهزية المنظومة الرقمية، شددت أبو خضر على ضرورة ألا يقتصر التقييم على عدد الخدمات التي أُطلقت إلكترونياً، بل ينبغي أن يشمل مجموعة من المؤشرات التي تقيس كفاءة الخدمة واستقرارها وقدرتها على حماية حقوق المستفيدين.
وأوضحت أن هذه المؤشرات تشمل نسبة استمرارية الخدمة، ومعدل الأعطال ومدتها، وسرعة الاستجابة للشكاوى، ونسبة المعاملات التي تُنجز بنجاح من المحاولة الأولى، ومستوى حماية البيانات، ومدى رضا المواطنين.
وأكدت أن اعتماد هذه المعايير، إلى جانب استكمال المتطلبات التشريعية والتقنية والإدارية، من شأنه المساعدة في تقييم أداء الخدمات العدلية الإلكترونية بصورة عملية، وتحديد جوانب القصور ومعالجتها، بما يعزز موثوقية المنظومة الرقمية ويحافظ على حقوق المواطنين والمحامين خلال مراحل التوسع في التحول الرقمي.





