لكن بعيدًا عن تأثيرها المعروف في اليقظة، يطرح كثيرون سؤالًا آخر: هل يمكن أن تكون القهوة مفيدة لصحة الفم والأسنان، أم أنها قد تضر بها مع مرور الوقت.
يوضح الدكتور أسامة أبو الرب، خبير تجميل وتقويم الوجه والأسنان ومستشار الإعلام الطبي، أن العلاقة بين القهوة وصحة الفم أكثر تعقيدًا من الاعتقاد الشائع بأنها تسبب تسوس الأسنان، مشيرًا إلى أن التأثير يعتمد بدرجة كبيرة على نوع القهوة وطريقة تناولها والإضافات التي ترافقها.
ويشير أبو الرب إلى أن القهوة السوداء، عند تناولها من دون سكر أو حليب أو مبيضات، تحتوي على كميات قليلة جدًا من السعرات الحرارية والسكريات والكربوهيدرات، فيما يُعد الكافيين أبرز مكوناتها الفعالة، وهو المسؤول عن زيادة اليقظة وتقليل الشعور بالنعاس وتحسين التركيز.
ولا تقتصر القهوة على الكافيين، إذ تحتوي أيضًا على عدد من المركبات النباتية، من بينها أحماض الكلوروجينيك والميلانويدينات، وهي مركبات ترتبط بخصائص مضادة للأكسدة، كما تشير دراسات مخبرية إلى أن بعض مكونات القهوة قد تمتلك تأثيرات مضادة لبعض أنواع البكتيريا الموجودة في الفم.
ويبين أبو الرب أن أهمية هذه المركبات تأتي من كون بعض أنواع البكتيريا الموجودة في الفم تنتج أحماضًا تهاجم مينا الأسنان وتساهم في حدوث التسوس، في حين قد تساعد بعض مكونات القهوة في تقليل التصاق البكتيريا بسطح الأسنان والحد من تراكم طبقة البلاك. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن وجود هذه المركبات لا يعني أن القهوة تمنع تسوس الأسنان أو تعالج التهاب اللثة وأمراض الفم.
القهوة السوداء ليست المتهم الأول
وعلى عكس الاعتقاد الشائع بأن القهوة بحد ذاتها تسبب التسوس، يوضح أبو الرب أن القهوة السوداء الخالية من السكر لا تُعد سببًا مباشرًا للتسوس، لأن البكتيريا المسببة له تعتمد بشكل أساسي على السكريات والكربوهيدرات لإنتاج الأحماض التي تضر مينا الأسنان.
لكن المعادلة تختلف عندما تتحول القهوة إلى مشروب محلى أو تضاف إليها أنواع من المبيضات والكريمر التي قد تحتوي على السكر أو الكربوهيدرات. وفي هذه الحالة، تصبح البيئة الفموية أكثر ملاءمة لنشاط البكتيريا وإنتاج الأحماض، ما قد يرفع خطر الإصابة بالتسوس.
وبذلك، فإن المشكلة لا ترتبط بالقهوة السوداء وحدها بقدر ما ترتبط بما يضاف إليها وبطريقة تناولها، وهو ما يجعل اختيار الإضافات جزءًا مهمًا من الحفاظ على صحة الأسنان لدى الأشخاص الذين يتناولون القهوة بشكل يومي.
من التسوس إلى التصبغات.. أثر آخر للقهوة
إذا كانت القهوة السوداء لا تُعد سببًا مباشرًا للتسوس، فإنها قد تترك أثرًا آخر أكثر وضوحًا على الأسنان، وهو التصبغات.
ويلفت أبو الرب إلى أن القهوة تحتوي على أصباغ ومركبات تتكون خلال عملية التحميص، ومنها الميلانويدينات، وقد تسهم هذه المركبات في ظهور تصبغات سطحية على الأسنان مع مرور الوقت، خصوصًا عند الإفراط في تناول القهوة.
ولهذا السبب، فإن الأشخاص الذين يعانون من تصبغات الأسنان يمكنهم تقليل كمية القهوة التي يتناولونها وتجنب الإفراط في القهوة الثقيلة، إلى جانب الاهتمام بالعناية اليومية بالأسنان.
لا تنظف أسنانك مباشرة بعد القهوة
ومن العادات التي تستحق الانتباه، وفق أبو الرب، توقيت تنظيف الأسنان بعد تناول القهوة. فالقهوة ذات طبيعة حمضية نسبيًا، وقد يؤدي التعرض للأحماض إلى تليين سطحي مؤقت لمينا الأسنان.
ولهذا يُنصح بعدم تنظيف الأسنان مباشرة بعد شرب القهوة، وإنما الانتظار نحو نصف ساعة إلى ساعة قبل استخدام الفرشاة، خصوصًا مع تجنب التفريش القوي. وخلال فترة الانتظار، يمكن شطف الفم بالماء أو شربه للمساعدة على إزالة بقايا القهوة وتخفيف الأحماض الموجودة في الفم.
كوب ماء بعد القهوة.. عادة بسيطة تحمي الأسنان
ويُعد شرب الماء بعد القهوة من العادات البسيطة التي يمكن أن تساعد في العناية بالأسنان، إذ يساهم في إزالة جزء من بقايا المشروب من الفم وتقليل مدة بقاء الأصباغ على سطح الأسنان، كما يساعد على تخفيف بقايا الأحماض والمساهمة في إعادة التوازن للبيئة الفموية.
أما بالنسبة لمن يعانون من التصبغات، فإن تقليل كمية القهوة وتجنب الإفراط في تناولها يمكن أن يقلل من التعرض المستمر للأصباغ، مع ضرورة الحفاظ على تنظيف الأسنان والعناية بها بصورة منتظمة.
القهوة على معدة فارغة.. متى تصبح مشكلة؟
ولا ترتبط القهوة على معدة فارغة مباشرة بأمراض اللثة لدى معظم الأشخاص، إلا أن الأمر قد يختلف لدى من يعانون من الارتجاع المعدي المريئي أو الحموضة الشديدة.
ويشرح أبو الرب أن القهوة قد تزيد أعراض الارتجاع لدى بعض الأشخاص، وفي حال وصول أحماض المعدة إلى الفم بصورة متكررة، فقد يؤدي ذلك مع مرور الوقت إلى تآكل مينا الأسنان، خصوصًا على الأسطح الداخلية للأسنان، كما قد يؤثر في الأنسجة الفموية.
ومن هنا، يُنصح الأشخاص الذين يعانون من الارتجاع أو الحموضة الشديدة بالانتباه إلى تأثير القهوة في أعراضهم، وتجنب تناولها على معدة فارغة إذا لاحظوا أنها تزيد الارتجاع، إلى جانب الالتزام بالعلاج الموصوف لحالتهم.
القهوة ممكن أن تكون جزءًا من نمط حياة صحي
وفي المحصلة، يؤكد أبو الرب أن عشاق القهوة ليسوا مضطرين إلى التخلي عن مشروبهم المفضل للحفاظ على صحة أسنانهم، وإنما يمكن تقليل آثاره غير المرغوبة من خلال طريقة تناوله. فاختيار القهوة السوداء بدلًا من القهوة المحلاة، وشرب الماء بعدها، وتجنب تنظيف الأسنان مباشرة بعد تناولها، إلى جانب عدم الإفراط في استهلاكها، كلها عادات تساعد في الحفاظ على صحة الفم والأسنان.
أما فيما يتعلق بالكافيين، فيشير أبو الرب إلى أن الحد الأعلى الذي يُذكر عادةً لمعظم البالغين الأصحاء يبلغ نحو 400 مليغرام يوميًا من جميع المصادر. وبما أن كمية الكافيين في كوب القهوة تختلف بحسب حجم الكوب ونوع البن وطريقة التحضير، فمن الأفضل الانتباه إلى إجمالي ما يحصل عليه الشخص من الكافيين خلال اليوم، وليس عدد أكواب القهوة وحده.
وهكذا، لا تبدو القهوة السوداء عدوًا مباشرًا للأسنان كما يعتقد البعض، لكن طريقة تناولها تظل العامل الأهم؛ فالقهوة المحلاة تختلف عن القهوة السوداء، والإفراط في تناولها قد يزيد التصبغات، فيما يبقى الماء بعد الفنجان والعناية اليومية بالأسنان وزيارة طبيب الأسنان بشكل دوري من العادات الأساسية للحفاظ على ابتسامة صحية.














