فريحات: لا يجوز إبعاد المواطن عن اختيار من يشارك في صنع القرار
الربيحات: لا يمكن حرمان مجالس المحافظات من موازناتها ثم محاسبتها على الفشل
الحميدي: التعيين يفتح الباب أمام المحاصصة والتنفيعات
صدى الشعب - راكان الخريشا
أثارت المادة (37) من مشروع قانون الإدارة المحلية جدلاً نيابياً داخل اللجنة الإدارية، بعدما سجّل عدد من أعضائها مخالفتهم لنص المادة التي تحدد تركيبة مجالس المحافظات وآليات تمثيل مكوناتها، معتبرين أن الصيغة المقترحة تفتح الباب أمام اختلال في التوازن بين التمثيل المنتخب والتعيين، وتثير تساؤلات حول استقلالية مجالس المحافظات ومدى انسجام تشكيلها مع مبدأ اللامركزية وتعزيز دور المجالس المنتخبة.
وتتركز الملاحظات النيابية على طبيعة الأعضاء الذين سيشكلون مجالس المحافظات، إذ تجمع المادة بين رؤساء مجالس البلديات وممثلين عن النقابات والغرف والاتحادات والهيئات المختلفة، إلى جانب ممثلين عن المرأة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، مع منح الوزير صلاحيات في تسمية عدد من الأعضاء، الأمر الذي دفع نواباً إلى التحذير من أن توسيع دائرة التعيين قد يضعف الطابع التمثيلي للمجالس ويحد من استقلالية القرار المحلي.
كما طالت المخالفات آلية ضمان تمثيل النساء بنسبة لا تقل عن 30%، وتركيبة التمثيل البلدي، ولا سيما ما يتعلق بمحافظتي إربد والمفرق، حيث تنص المادة على تدوير تمثيل رؤساء المجالس البلدية بين نصف العدد لمدة سنتين والنصف الآخر للمدة المتبقية، في خطوة أثارت نقاشاً حول استمرارية التمثيل واستقرار عضوية المجلس.
وبينما تقدم الحكومة المادة باعتبارها إطاراً لتنظيم تركيبة مجالس المحافظات وضمان تمثيل مختلف القطاعات والفئات، يرى النواب المخالفون أن القضية تتجاوز مجرد توزيع المقاعد، لتصل إلى جوهر اللامركزية نفسها: من يملك القرار في المحافظة، المنتخبون أم المعينون، وكيف يمكن بناء مجالس محلية تتمتع بالاستقلالية وتحظى بتمثيل حقيقي ومتوازن لمجتمعاتها.
وفي هذا السياق قال النائب، آية الله فريحات، إن الخلاف حول المادة 37 من مشروع قانون الإدارة المحلية لا يتعلق بتعديل تقني في طريقة تشكيل مجالس المحافظات، وإنما يرتبط بسؤال أعمق حول شكل الإدارة المحلية وموقع المواطن في صناعة القرار المتعلق بمحافظته ومستقبلها.
وأوضح أن الخلاف حول تشكيل مجالس المحافظات هو خلاف على مصدر الشرعية وفلسفة اللامركزية، مؤكدًا أن الانتقال من الانتخاب المباشر إلى أي آلية أخرى يحتاج إلى مبررات تتجاوز الاعتبارات الإدارية، لأنه يغيّر طبيعة العلاقة بين المواطن ومجلس المحافظة ومصدر التفويض الذي يستند إليه.
وأكد فريحات أن الحكومة لا تُعارض لمجرد أنها حكومة، وأن التمسك بالانتخاب ليس لمجرد كونه آلية مألوفة، وإنما رفضًا لأي صيغة تتراجع بالمشاركة الشعبية إلى الوراء، مشيرًا إلى أن تطوير الإدارة المحلية يجب أن ينسجم مع مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية.
وأشار إلى أن وجود أوجه قصور في تجربة مجالس المحافظات السابقة لا يعني فشل فكرة الانتخاب، وإنما يستدعي إصلاح التجربة، لافتًا إلى أن ضعف الصلاحيات أو الموارد أو تداخل الاختصاصات يعالج بتحديد الصلاحيات والتمكين والمساءلة، وليس بإضعاف الشرعية الانتخابية.
وأضاف أن اللامركزية لا تعني فقط نقل الاختصاصات من المركز إلى المحافظة، بل أن يصبح المواطن شريكًا في القرار وقادرًا على اختيار من يمثله ومراقبة أدائه، محذرًا من أنه إذا انتقل القرار إلى المحافظة وبقي المواطن خارج اختيار الجهة التي تمارس هذا الدور، فنحن أمام (لامركزية في الاختصاص، لا لامركزية في الإرادة).
وشدد فريحات على أن الدفاع عن الانتخاب المباشر لا يعني الدفاع عن تجربة مجالس المحافظات السابقة بكل تفاصيلها، وإنما الدفاع عن حق المواطن في اختيار من يمثله، داعيًا إلى إصلاح المجالس وتعزيز صلاحياتها ومواردها وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأكد أن الانتخاب المباشر ليس عائقًا أمام الكفاءة، بل يمكن أن يكون مصدرًا لها إذا اقترن بالتأهيل والمساءلة، داعيًا إلى الإبقاء على الانتخاب المباشر مع تطوير النظام الانتخابي وضمان عدالة التمثيل ومنح المجالس صلاحيات وموارد حقيقية.
وسجل فريحات مخالفته على المادة 37/أ، مطالبًا بإعادة صياغتها، بحيث يتم تقسيم الدوائر الانتخابية وتحديد القطاعات لغايات التعيين بموجب نظام يصدر لهذه الغاية.
ومن جانبه قال النائب، وسام الربيحات، في مخالفته على المادة 37، إن (المنتخب ليس كالمعين)، داعيًا إلى الحكم على المادة بعيدًا عن الذهنية المسبقة والانطباعات الحزبية والفكرية، والاحتكام إلى الأرقام والدراسات والأثر المترتب على التشريع.
وأكد أن حالة السخط الشعبي تجاه المجالس المنتخبة، ومجلس النواب بشكل خاص، لا تعني أن المواطن يريد التعيين، وإنما تعكس رغبته في التخلص من واقع لا يحصل فيه على حقوقه، مشددًا على أن الحل يتمثل في (مجالس منتخبة وانتخابات حرة).
وانتقد الربيحات الاستناد إلى أداء مجالس المحافظات السابقة لتبرير التعيين، متسائلًا عن حجم المخصصات التي حصلت عليها تلك المجالس فعليًا، مشيرًا إلى أن بعض المجالس كانت موازناتها تصل إلى نحو عشرة ملايين دينار، بينما لم يصلها سوى مليوني دينار.
وقال إن حرمان مجالس المحافظات من موازناتها ثم محاسبتها على الفشل أمر غير منطقي، مؤكدًا (أعطني الموازنة، ثم حاسبني على الفشل، ومكّنني من صلاحياتي، ثم حاسبني على أدائي)، معتبرًا أن جانبًا من الإخفاق كان نتيجة عدم تمكين المجالس من أداء دورها.
وتساءل عن الجهات التي تتحمل مسؤولية التجاوزات التي تُتخذ ذريعة للعودة إلى التعيين، مشيرًا إلى وجود أدوار رقابية للوزير المعني وديوان المحاسبة ومجلس النواب، وبالتالي فإن معالجة التجاوزات لا تستدعي إلغاء الإرادة الشعبية.
وأشار إلى أن العضو المنتخب يبقى مرتبطًا بقواعده الشعبية، وسيكون أكثر قدرة على المطالبة بحقوق محافظته ومناطقها، فيما قد لا يمتلك العضو المعين الدافع ذاته.
واستشهد الربيحات بتجربة محافظة الطفيلة، مؤكدًا أن مجلس المحافظة حصل في عامه الأول على نحو 70 بالمئة من مخصصاته، وأن المحافظة شهدت نتيجة المشاريع المنفذة تحسنًا ملحوظًا.
وشدد على ضرورة البناء على مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية وترسيخ مفهوم الحكم المحلي، متسائلًا عن أسباب التراجع عن مسار الإصلاح السياسي.
وختم الربيحات بتأييده صيغة تجمع بين أصحاب الخبرة والأعضاء المنتخبين، بما يحقق التوازن بين الكفاءة والخبرة من جهة، والإرادة الشعبية من جهة أخرى.
ومن جانبه قال النائب، إبراهيم الحميدي، إن التعديل المطروح على تشكيل مجالس المحافظات يثير مخاوف جدية بشأن التراجع عن مبدأ الانتخاب، مؤكدًا أن الانتخاب يجب أن يبقى الأصل والأساس، وأن يكون التعيين في أضيق الحدود.
وأشار إلى أن التعيين، حتى لو جاء بصيغة انتخاب غير مباشر، يبقى برأيه متعارضًا مع روح الإصلاح السياسي ومخرجات اللجنة الملكية، متسائلًا عن أسباب الاتجاه نحو تكريس التعيين في قانون يفترض أن يعزز المشاركة الشعبية والحياة السياسية.
وأوضح الحميدي أن من أبرز أسباب رفضه للصيغة الحكومية عدم تفرغ الأعضاء المعينين، باعتبار أن كثيرًا منهم موظفون في مؤسسات ودوائر مختلفة، الأمر الذي قد يؤثر في قدرتهم على متابعة المشاريع والإشراف عليها بالشكل المطلوب.
وأضاف أن التعيين قد يفتح الباب أمام التنفيعات والمحاصصة القطاعية، خصوصًا مع حصول الأعضاء المعينين على مكافآت إلى جانب رواتبهم، كما أن ممثلي القطاعات قد ينحازون بحكم طبيعة عملهم إلى المشاريع والجهات التي يمثلونها.
وأكد أن الصيغة المقترحة قد تجعل التمثيل متركزًا في مراكز المحافظات على حساب الأطراف، وهو ما يتعارض مع فلسفة إنشاء مجالس المحافظات القائمة على تحقيق التنمية الشمولية والوصول إلى مختلف المناطق.
وأشار إلى أن العضو المنتخب يرتبط مباشرة بقواعده الانتخابية ومصالح أبناء منطقته، وبالتالي يكون أكثر حرصًا على متابعة احتياجاتهم، معتبرًا أن مجالس المحافظات أسهمت في إيصال التنمية إلى مناطق الأطراف التي لم تحصل سابقًا على نصيب كافٍ من المشاريع.
وفي رده على الحديث عن إخفاقات التجربة السابقة، أكد الحميدي أن أي تجربة جديدة لا بد أن تشهد بعض العثرات، لكن معالجة الخلل لا تكون بإلغاء الإيجابيات أو التراجع عن مبدأ المشاركة الشعبية، وإنما بتفعيل أدوات الرقابة والمحاسبة.
ولفت إلى أن القانون المقترح عالج جانبًا من التخوفات المتعلقة بالمحاصصة من خلال منح المجلس التنفيذي دورًا في اقتراح المشاريع، فيما يتولى مجلس المحافظة اختيار المشاريع الأكثر حاجة وإلحاحًا ومتابعة تنفيذها.
واقترح الحميدي اعتماد صيغة تقوم على انتخاب نصف أعضاء مجلس المحافظة، وتعيين النصف الآخر من الهيئات المنتخبة في المحافظة، على أن تحدد الجهات وآلية التعيين بموجب نظام، معتبرًا أن هذه الصيغة تحقق توازنًا بين الانتخاب والخبرة والتمثيل القطاعي، دون إلغاء الإرادة الشعبية.















