بدأ النقاش من نماذج الأعمال الجديدة، ومن الحاجة إلى استعادة قيمة القصة المحلية والصحافة المعمقة، ثم انتقل إلى الجامعات ومشكلة الفجوة بين ما يتعلمه طالب الإعلام وبين ما يحتاجه فعلاً عندما يدخل غرفة الأخبار.
لكن هذه الفجوة لا تنتهي عند باب الجامعة، ربما تبدأ هناك فقط، ثم تتسع عندما ينتقل الصحفي الشاب إلى سوق العمل ليجد نفسه بين مؤسسة تطلب منه أن يكون جاهزاً منذ اليوم الأول، ونقابة تقدم له دورة بين حين وآخر، وجهات مانحة تمول عشرات برامج بناء القدرات كل عام.
خلال العقدين الماضيين توسع قطاع التدريب الإعلامي في المنطقة العربية بدرجة كبيرة، فهناك العديد من الدورات المنعقدة حول الصحافة الاستقصائية وصحافة البيانات والتحقق الرقمي وصناعة الفيديو والبودكاست والموبايل جورناليزم والذكاء الاصطناعي والسلامة المهنية وإدارة غرف الأخبار، حيث يبقى من الصعب أن تجد صحفياً عمل عدة سنوات من دون أن يشارك في واحد أو أكثر من هذه البرامج، رغم ذلك ما زالت الشكوى ذاتها تتكرر داخل المؤسسات الصحفية، حول واقع ان الصحفيين الجدد لا يمتلكون المهارات الكافية، مع وجود ضعف في القدرة على كتبة الاخبار والتحريرالصحفي، مع وجود ضعف في القدرة على الملاحظة وتحديد زاوية التقرير، او إيجاد قصة جديدة او معالجة قضية متكررة من زاوية جديدة، فتبقى القدرة على بناء القصة ضعيفة، مع عدم إيجاد حلول حقيقية لمعالجة غياب التفكير النقدي ، وازدياد الاعتماد على المصادر الجاهزة والبيانات الرسمية بدلأ من التعمق في صلب العمل الصحفي والإعلامي.
وعليه فإن هذه المفارقة تستحق التوقف والتفكير، فإذا كان حجم التدريب قد ازداد بهذا الشكل، فلماذا لا يظهر أثره بالقدر نفسه على جودة الصحافة؟
جزء من الإجابة يتعلق بالطريقة التي نفهم بها التدريب نفسه، فالدورة التدريبية تستطيع أن تمنح الصحفي معرفة جديدة أو تعرفه إلى أداة لم يكن يستخدمها من قبل. حيث يستطيع المدرب خلال عدة أيام أن يشرح كيفية إجراء مقابلة جيدة أو بناء تحقيق أو التحقق من صورة أو التعامل مع البيانات، فيخرج المتدرب من القاعة وفي دفتره عشرات الملاحظات والأفكار، لكن المشكلة تبدأ فعليا في اليوم التالي عند العودة إلى المؤسسة التي يعمل بها.
غالبا يعود المتدرب إلى مؤسسة صحفية تعمل ضمن سياسة تحريرة معدة مسبقا وغير مرنة اتجاه التغيير، وقد يجد محررا لا يملك وقتاً لمناقشة قصته بسبب ضغط النشر او الخوف من إدخال شيء جديد فيكون المجال محدودا للتجربة والخطأ لا يسمح بالتجربة، وفي أحيانا اخرى تكون التحديات لوجستية مثل عدم توفر الادوات أو الاشتراك بالتطبيقات الحديثة التي تسهل العمل مع البيانات الضخمة او التصاميم الجديدة، وعليه وبعد أسابيع قليلة يعود كثير من الصحفيين إلى روتين العمل السابق، وبهذا لا يمكن القول ان التدريب كان ضعيفا أو غير مفيد، لكنه يعني أن المعرفة الجديدة لم تجد البيئة التي تسمح لها بأن تتحول إلى ممارسة.
لهذا فإن أحد أوجه الخلل في كثير من برامج بناء القدرات الإعلامية هو التعامل مع التدريب باعتباره عملية مكتملة بذاتها، حيث تبدأ العملية باختيار مجموعة من الصحفيين، ثم تنفيذ دورة لعدة أيام، ثم توزيع شهادات المشاركة وكتابة تقرير يذكر عدد المستفيدين والموضوعات التي تمت تغطيتها، بعد ذلك ينتقل المشروع إلى مجموعة جديدة من الصحفيين، وهذا ضروري طبعا ولكن التطوير والتغير المهني لا يحدث بهذه السرعة للأسف.
إن تعلم الصحافة يشبه تعلم كثير من المهن التي تعتمد على الخبرة أكثر مما تعتمد على امتلاك مجموعة من الأدوات، حيث يمكن أن تشرح للصحفي قواعد المقابلة خلال ساعات، لكن القدرة على سماع ما وراء الإجابة ومعرفة متى يجب أن يقاطع المصدر ومتى يصمت ومتى يشك ومتى يعيد صياغة السؤال تحتاج إلى ممارسة طويلة، ويمكن أن تشرح له كيفية بناء القصة، لكن معرفة ما الذي يستحق أن يكون في المقدمة وما الذي يمكن الاستغناء عنه ولماذا تحتاج هذه القصة إلى صوت ثالث أو وثيقة إضافية، تحتاج مساحة كبيرة للتطبيق والتعلم المستمر، فكل هذه المهارات تتطور عندما يعمل الصحفي ثم يجد شخصاً أكثر خبرة يراجع معه ما فعله ويسأله عن اختياراته، لماذا بدأت القصة بهذه الطريقة؟ لماذا اعتمدت على هذا المصدر؟ ما الذي كان يمكن أن تسأل عنه ولم تسأل؟ هل لديك دليل كاف على هذه العبارة؟ هل كان من الممكن أن ترى القصة من زاوية أخرى؟
هنا تظهر أهمية الإشراف والتوجيه المهني أو ما يعرف بالـMentorship.
وهي ليست جديدة على الصحافة فغرف الأخبار القوية بنت أجيالاً من الصحفيين بهذه الطريقة قبل أن يصبح مصطلح بناء القدرات جزءاً من قاموس المؤسسات الدولية، حيث كان الصحفي الجديد يتعلم من محرر يقرأ نصه ويعيده إليه مليئاً بالملاحظات، وارتبط تواجده بالميدان بمرافقة صحفي أكثر خبرة في الميدان، إضافة لاهمية التواجد في اجتماعات التحرير وسماع كيف يجري اختيار القصص واستبعادها، وبعد عشرات القصص ومئات الملاحظات تتكون لديه تدريجياً حاسة مهنية يصعب تدريسها في قاعة.
نتيجة تحديات عدة وللأسف نلمس اليوم تراجعا في قدرة المؤسسات على توفير هذا الشكل من التدريب والتمكين للصحفيين الجدد، إما نتيجة لتحديات اقتصادية تواجهاا المؤسسات او محدودية حجم غرف الأخبار، أو بسبب ضغوط العمل وقلة عدد المحررين، والحاجة للمنافسة مما يشكل ضغطا أخر حول ضروروة سرعة النشر.
في المقابل توسع دور الجهات المانحة ومنظمات تطوير الإعلام في سد جزء من الفجوة، لكن كثيراً من هذه البرامج ورث المشكلة نفسها عندما ركز على التدريب قصير المدى أكثر من الاستثمار في التطور المهني الطويل، فأصبح من السهل قياس عدد الأشخاص الذين حضروا دورة، ومن الصعب قياس كيف تغيرت صحافتهم بعد ستة أشهر، ولهذا تميل بعض المشاريع إلى المؤشر الأسهل، وهوعدد الأشخاص الذين تم تدريبهم، وكم امرأة شاركت، وكم مؤسسة حضرت، وكم ساعة تدريبية تم تنفيذها، ومع اهمية الأرقام لإدارة أي مشروع، لكنها لا تكفي وحدها لتقول إن شيئاً تغير.
المشكلة هنا لا تقع على الجهات المانحة وحدها. المؤسسات الصحفية نفسها اعتادت في أحيان كثيرة النظر إلى التدريب باعتباره خدمة خارجية. عندما يحتاج الصحفي إلى تطوير مهارة تبحث المؤسسة عن جهة تمول دورة، وعندما يأتي مشروع تدريبي ترشح موظفيها للمشاركة فيه، هذه العلاقة تريح المؤسسة من جزء من مسؤوليتها الأساسية تجاه العاملين فيها.
المؤسسة الصحفية ليست مكاناً لإنتاج الأخبار فقط، بل يفترض أن تكون أيضاً مكاناً لإنتاج الصحفيين.
هناك أيضاً دور مختلف يمكن أن تلعبه النقابات ومؤسسات التدريب والجهات المعنية بتطوير المهنة، فالكثير منها ينظم دورات تدريبية، وهذا مهم، لكن قدرتها الحقيقية قد تكون أكبر إذا تحولت إلى مساحة تربط بين أجيال المهنة، حيث يمكن لصحفي قضى عشرين عاماً في التحقيقات أن يشرف لمدة أشهر على صحفيين في بداية مسيرتهم، ويمكن لمحررة تمتلك خبرة طويلة في الصحافة الرقمية أن تتابع مجموعة صغيرة من الصحفيات وتناقش معهن الأعمال التي ينتجنها فعلياً، وبهذه الطريقة تنتقل المعرفة المهنية داخل القطاع نفسه ولا تبقى مرتبطة بالمشاريع المؤقتة.
المطلوب إذن ليس التخلي عن التدريب، فالتدريب يظل ضرورياً، خصوصاً في مهنة تتغير أدواتها بسرعة غير مسبوقة. الصحفي اليوم يحتاج إلى تعلم التعامل مع الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والتحقق من المحتوى الرقمي وفهم المنصات الجديدة، لكن الدورة يجب أن تكون بداية العملية وليست نهايتها.
التحدي أمام قطاع الإعلام العربي اليوم لا يتعلق فقط بتوفير مزيد من الدورات، فلدينا قدر كبير من التدريب، ولدينا مدربون جيدون ومؤسسات تمتلك خبرة طويلة وجهات مستعدة للتمويل، ما ينقص في كثير من الأحيان هو الجسر الذي يصل كل ذلك بالممارسة اليومية داخل غرف الأخبار، فقد تكون هنا الحلقة التي غابت طويلاً عن كثير من مشاريع بناء القدرات الإعلامية، فنحن ندرب الصحفيين كثيراً، لكننا نرافقهم قليلاً.












