منذ أن بدأت تظهر ملامح نتائج الثانوية العامة، كان واضحًا أن أعدادًا كبيرة من الطلبة اتجهت نحو الحقل الصحي، ليس بالضرورة لأن لديهم مشروعًا حقيقيًا لدراسة الطب أو الصيدلة أو التخصصات الصحية، وإنما لأن هذا المسار بدا للكثيرين مخرجًا من الرياضيات والفيزياء والمواد التي يرونها أكثر صعوبة.
في حينها حذّرنا من أن المشكلة لن تظهر في يوم إعلان النتائج، وإنما ستظهر لاحقًا عند بوابات الجامعات، خصوصًا الجامعات الخارجية.
واليوم بدأت الصورة تتضح.
آلاف الطلبة وجدوا أنفسهم أمام معضلة حقيقية: يرغبون في دراسة تخصصات صحية في الخارج، لكن شروط القبول في عدد من الجامعات والبرامج لا تتوافق مع المواد التي درسوها في الثانوية العامة. فالعديد من الجامعات تشترط خلفية أكاديمية في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء بحسب التخصص، بينما اختار الطالب مسارًا دراسيًا هربًا من بعض هذه المواد.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد مشكلة قبول جامعي.
ماذا سيفعل هؤلاء الطلبة؟
الجامعات الأردنية، مهما بلغت قدرتها الاستيعابية، لن تكون قادرة على استيعاب هذا العدد الضخم من الراغبين في التخصصات الصحية، وإذا كانت التقديرات الواقعية تشير إلى أن الجامعات المحلية لن تستوعب حتى ربع الأعداد المتقدمة، فإننا أمام أزمة تعليمية حقيقية وليست مجرد منافسة على المقاعد.
المشكلة أن الطالب الذي اختار الحقل الصحي بحثًا عن المسار الأسهل، اكتشف متأخرًا أن الطريق إلى التخصصات الصحية ليس سهلًا، وأن الجامعات المحلية والخارجية لا تنظر فقط إلى معدل الثانوية، بل إلى طبيعة المواد التي درسها الطالب ومتطلبات البرنامج الجامعي.
وهنا لا ينبغي أن نحمّل الطالب وحده المسؤولية.
فهل كان الطالب يعرف منذ البداية أن اختياره للحقل الصحي قد يغلق أمامه أبواب جامعات وتخصصات خارج الأردن؟
وهل حصل على إرشاد أكاديمي حقيقي قبل اتخاذ قرار مصيري يتعلق بمستقبله؟
وهل كانت الأسرة تعرف أن اختيار الحقل الدراسي ليس مجرد وسيلة للهروب من مادة صعبة، وإنما قرار يحدد إلى حد كبير الخيارات الجامعية المتاحة أمام الطالب لاحقًا؟
الأخطر من ذلك أن بعض الطلبة قد يجد نفسه الآن أمام خيارات محدودة: جامعة محلية لا يوجد فيها مقعد، وجامعة خارجية تشترط مواد لم يدرسها، وإعادة بعض المتطلبات أو السنة الدراسية قد تعني خسارة عام كامل وربما أكثر.
وهنا يجب أن ننتقل من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها.
المطلوب من وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي والجامعات أن تعلن بوضوح حجم الطلبة في كل حقل، وأعداد المقاعد المتاحة محليًا، ومتطلبات القبول في التخصصات الصحية داخل الأردن وخارجه، حتى يعرف الطالب وأسرته حجم المنافسة والخيارات المتاحة أمامهم.
كما أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حلول انتقالية للطلبة الذين وقعوا في هذه المعضلة، كبرامج استدراكية أو مساقات تأهيلية تمكن الطالب من استكمال المواد العلمية المطلوبة للقبول الجامعي، بدل أن يتحول خطأ الاختيار في المرحلة الثانوية إلى حكم على مستقبل طالب بالكامل.
لكن الدرس الأهم يجب أن يكون للمستقبل:
لا يجوز أن يختار الطالب الحقل الدراسي هربًا من الرياضيات أو الفيزياء، ثم يكتشف عند بوابة الجامعة أنه هرب من مادة، لكنه اصطدم بمستقبله.
نحن أمام ملف يستحق دراسة وطنية عاجلة، لأن القضية لا تتعلق فقط بآلاف المقاعد الجامعية، بل بمستقبل جيل كامل اختار مساره الدراسي وفق حسابات لم تكن واضحة له بما يكفي.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن بصراحة:
إذا كانت الجامعات الأردنية لن تستوعب سوى جزء محدود من هذه الأعداد، والجامعات الخارجية لن تقبل عددًا كبيرًا منهم بسبب متطلبات المواد الدراسية، فأين المفر؟
الأهم ألا ننتظر حتى يبدأ العام الجامعي، ثم نكتشف أن الأزمة كانت معروفة منذ لحظة اختيار الطلبة لحقولهم الدراسية، ولكن لم يتحرك أحد في الوقت المناسب.
التخطيط للتعليم لا يبدأ عند بوابة الجامعة... بل يبدأ عندما يختار الطالب أول حقل دراسي له.











