أثار إعلان وزير التربية والتعليم التوجه نحو جعل امتحان الثانوية العامة «التوجيهي» امتحانًا للقبول الجامعي، مع اعتبار نجاح الطالب في المرحلة الثانوية نجاحًا في الثانوية العامة، نقاشًا واسعًا حول مستقبل الامتحان الأهم في حياة الطلبة الأردنيين.
ولا شك أن تطوير منظومة التقييم والانتقال من امتحان واحد يحدد مستقبل الطالب إلى منظومة أكثر تنوعًا وعدالة أمر يستحق الدراسة، لكن نجاح أي إصلاح لا يقاس بتغيير شكل الامتحان فقط، وإنما بمدى قدرة النظام الجديد على ضمان العدالة وتكافؤ الفرص وموضوعية العلامة.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات واضحة قبل الانتقال إلى التطبيق.
المدرسة الخاصة.. هل ستكون العلامة واحدة للجميع؟
إذا أصبحت المدرسة هي الجهة التي تمنح الطالب نجاحه في المرحلة الثانوية، فإن الفارق في سياسات التقييم بين المدارس قد يصبح عاملًا مؤثرًا في مستقبل الطالب.
فهل ستكون معايير منح العلامات في المدارس الخاصة هي ذاتها في المدارس الحكومية؟
وهل يمكن أن نجد مدرسة تمنح نسبًا مرتفعة جدًا من علامات النجاح، في حين تكون مدرسة أخرى أكثر تشددًا في التقييم؟
وماذا لو أصبح المعدل المدرسي عنصرًا مؤثرًا في القبول الجامعي؟
عندها قد يصبح اسم المدرسة أو نظامها في منح العلامات عاملًا غير مباشر في تحديد فرص الطالب الجامعية.
وهنا تبرز ضرورة وجود نظام وطني لمعايرة العلامات يضمن ألا يتحول اختلاف المدارس في التقييم إلى اختلاف في فرص الطلبة.
وماذا عن الواسطة والمحسوبية؟
السؤال الأكثر حساسية يتعلق بالمدارس الحكومية.
إذا أصبح نجاح الطالب في المدرسة هو الأساس للحصول على شهادة الثانوية، فكيف ستضمن الوزارة عدم تدخل الواسطة أو العلاقات الشخصية في العلامات؟
نحن لا نتحدث هنا عن اتهام للمعلمين أو الإدارات، وإنما عن ضرورة بناء نظام يحمي المعلم والمدير والطالب في الوقت نفسه.
من يقرر نجاح الطالب؟
هل يستطيع مدير المدرسة تعديل علامة؟
هل توجد لجنة مستقلة للامتحانات؟
هل يستطيع الطالب الاعتراض على قرار الرسوب؟
وهل توجد جهة خارج المدرسة تستطيع مراجعة العلامات؟
إن وجود نظام رقابي واضح لا يعني عدم الثقة بالمدارس والمعلمين، بل يعني حماية العملية التعليمية من أي تدخل أو ضغط محتمل.
كيف ستراقب الوزارة علامات المدارس؟
هذه المسألة يجب أن تكون في قلب الإصلاح.
فالوزارة لا تستطيع الاكتفاء باستلام علامات المدارس، بل تحتاج إلى نظام رقابة وطني قادر على اكتشاف الفروقات غير الطبيعية بين المدارس.
فإذا كانت مدرسة ما تمنح معظم طلبتها علامات مرتفعة جدًا مقارنة بالمعدل الوطني، أو كانت نتائج مدرسة أخرى منخفضة بصورة غير معتادة، فمن حق الوزارة أن تسأل عن الأسباب.
ومن هنا يمكن التفكير في:
* اختبارات وطنية معيارية دورية.
* تحليل إحصائي لنتائج المدارس.
* تدقيق عينات عشوائية من الطلبة.
* مراجعة مستقلة للعلامات في الحالات غير الطبيعية.
* نظام واضح للاعتراض والتظلم.
* معايير موحدة للتقييم في المواد الأساسية.
فالهدف ليس إعادة إنتاج «التوجيهي» داخل المدرسة، وإنما ضمان أن تكون العلامة المدرسية ذات قيمة حقيقية ويمكن الوثوق بها.
هل يتحول التنافس من التوجيهي إلى «رفع العلامات»؟
هناك خطر آخر ينبغي التنبه إليه.
إذا أصبحت الجامعات تعتمد على امتحان قبول موحد، فقد تتراجع أهمية المعدل المدرسي في بعض جوانب القبول، لكن إذا بقي المعدل المدرسي عنصرًا في القبول أو المفاضلة، فقد يبدأ تنافس جديد بين المدارس والطلبة على العلامات.
وقد يصبح السؤال بدلًا من:
كيف ينجح الطالب في التوجيهي؟
هو:
كيف يحصل الطالب على أعلى معدل مدرسي؟
وهذا ما يجب أن يمنعه الإصلاح من البداية.
وماذا عن الطلبة الراغبين بالدراسة خارج الأردن؟
هناك ملف آخر لا يقل أهمية، وهو مصير الطلبة الذين يرغبون في الالتحاق بالجامعات خارج المملكة.
إذا أصبحت شهادة الثانوية ناتجة عن النجاح المدرسي، وأصبح الامتحان الوزاري امتحان قبول جامعي، فما الوثيقة التي سيقدمها الطالب إلى جامعة أجنبية؟
وهل ستعتمد الجامعات الخارجية الشهادة المدرسية الأردنية؟
وهل سيُطلب من الطالب الراغب في الدراسة خارج الأردن التقدم لامتحان معياري أو امتحان قبول خاص؟
وهل ستبقى الشهادة الأردنية معترفًا بها بالطريقة نفسها لدى الجامعات العربية والأجنبية؟
هذه الأسئلة يجب أن تكون محسومة قبل بدء التطبيق، حتى لا يجد الطالب نفسه أمام نظام جديد داخل الأردن، ومتطلبات مختلفة عند التقدم إلى جامعة خارج المملكة.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من ضمان العدالة
لا أحد يعارض تطوير التعليم أو تحديث امتحان الثانوية العامة.
بل إن إصلاح التوجيهي أصبح ضرورة، لكن الإصلاح الحقيقي لا يكون بتغيير اسم الامتحان أو نقل مسؤولية العلامة من الوزارة إلى المدرسة فقط.
الإصلاح الحقيقي هو أن نضمن أن الطالب في المدرسة الحكومية والطالب في المدرسة الخاصة، والطالب في العاصمة والطالب في الأطراف، والطالب الذي يملك إمكانات مادية كبيرة والطالب محدود الدخل، جميعهم يخضعون لمعايير عادلة تضمن تكافؤ الفرص.
إن نقل مركز الثقل من الامتحان الوزاري إلى المدرسة يفرض على وزارة التربية والتعليم مسؤولية أكبر، لا أقل.
فإذا كان التوجيهي القديم يحمل مخاطر الامتحان الواحد، فإن النظام الجديد قد يحمل مخاطر أخرى إذا لم تكن هناك منظومة دقيقة لضبط العلامات والرقابة والمساءلة.
المطلوب قبل التطبيق
قبل الانتقال الكامل إلى النظام الجديد، نحتاج إلى حوار وطني واسع تشارك فيه وزارة التربية والتعليم والجامعات والمعلمون ومديرو المدارس وأولياء الأمور والطلبة والخبراء التربويون.
ويجب أن تكون هناك إجابات مكتوبة وواضحة عن أسئلة أساسية:
ما أسس النجاح والرسوب؟
كيف ستوحد الوزارة معايير العلامة المدرسية؟
كيف ستراقب المدارس الخاصة والحكومية؟
كيف ستمنع الواسطة والمحسوبية؟
ما آلية الاعتراض على العلامة؟
كيف سيُضمن الاعتراف بالشهادة خارج الأردن؟
وكيف ستضمن الدولة أن لا يصبح التعليم الجيد امتيازًا لمن يستطيع دفع تكاليف مدرسة تمنح علامات أعلى؟
إننا أمام تغيير يمس مستقبل أجيال كاملة، ولذلك يجب ألا يكون السؤال فقط: هل نريد التخلص من التوجيهي بصورته الحالية؟
بل السؤال الأهم:
هل النظام البديل أكثر عدالة وشفافية وموضوعية؟
فالتوجيهي قد يتغير شكله، لكن مسؤولية الدولة في حماية تكافؤ الفرص والعدالة التعليمية يجب ألا تتغير

