إن أخطر التحولات التي تعصف بالدول، تلك التي تتسلل إلى بنيتها الاجتماعية لتعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتغيير طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الجماعات التي تتقاسم الانتماء إلى وطن واحد؛ إذ يبدأ استنزاف المناعة الداخلية حين تتراجع الثقة بالمؤسسات الوطنية لمصلحة الولاءات الفرعية، ويتحول الاختلاف الديني والثقافي من مظهر للتعدد الاجتماعي إلى معيار لتوزيع الخوف والحماية، فتغدو وحدة الدولة قائمة في بنيتها القانونية، بينما تتعرض مرجعيتها المعنوية لاحتمالات التآكل والانقسام.
من هذا المنظور، يفتح الاعتداء الإرهابي الذي استهدف مشيعين في كنيسة الروم الأرثوذكس بقرية حمود في محافظة الكرك، بابًا لقراءة سياسية تتجاوز حدود الواقعة الأمنية، لتلامس إشكالية أكثر اتصالًا بمناعة الدولة الأردنية أمام احتمالات الاستقطاب الهوياتي، وقدرة المجتمع على منع الجريمة من التحول إلى مرجعية لإعادة تعريف العلاقات بين مكوناته؛ ذلك أن الخطر الأعمق يكمن في احتمالية انتقال تداعياته من المجال الأمني إلى المجال الإدراكي الذي تتشكل داخله تصورات المواطنين عن بعضهم وعن دولتهم، وتُعاد من خلاله صياغة الحدود النفسية بين الانتماء الوطني والانتماءات الفرعية.
وفي مقاربة هذه الإشكالية، تستحضر أطروحات المستشرق برنارد لويس حول مستقبل الشرق الأوسط، ولا سيما ما أورده حول إعادة التفكير في الشرق الأوسط، بشأن احتمالات اللبننة وتفكك الدول عند تراجع سلطة المركز السياسي وضعف الروابط الوطنية الجامعة؛ فقد انطلق لويس من تصور يرى أن هشاشة البناء السياسي والمؤسسي في بعض دول المنطقة قد تفسح المجال أمام تقدم الانتماءات الدينية والمذهبية والعرقية والقبلية بوصفها مرجعيات منافسة للدولة، بما يحول المجتمع من جماعة سياسية تنتظم داخل سيادة واحدة إلى تجمعات متمايزة تتنازع السلطة والشرعية والموارد.
غير أن الأهمية السياسية لهذه الأطروحة، تمتد إلى ما تتيحه من قراءة لقابلية الانقسامات الداخلية للتوظيف في الحسابات الاستراتيجية الإقليمية والدولية؛ فحين تتحول الهويات الجزئية إلى وحدات سياسية قابلة للفصل وإعادة التركيب، تصبح هشاشة التماسك الاجتماعي عاملًا مؤثرًا في إعادة توزيع موازين القوى، وتغدو الجغرافيا الوطنية معرضة لضغوط إعادة التشكيل وفق اعتبارات النفوذ والمصلحة.
لكن لا يعني ذلك أن لويس قد أثبت وجود مشروع تنفيذي موحد لتقسيم المنطقة، أو أن كل اضطراب داخلي يمثل امتدادًا لمخطط خارجي، وإنما تكمن القيمة التفسيرية لأطروحته في الكشف عن العلاقة بين ضعف المرجعية الوطنية وإمكانية تحويل التعدد الاجتماعي إلى قابلية سياسية للتجزئة، وهي علاقة يمكن للقوى المتنافسة استثمارها دون أن تكون بالضرورة مسؤولة عن نشأتها.
ولعل أخطر ما تثيره هذه المقاربة هو احتمال تقسيم المجتمع قبل تقسيم الجغرافيا، حين يُعاد تعريف المواطنين باعتبارهم مكونات دينية ومذهبية وعرقية تتنافس على الاعتراف والحماية، بدلًا من كونهم مكونات متساوية في دولة واحدة؛ وفي مثل هذا التصور، تتراجع المواطنة بوصفها أساس الشرعية السياسية لتحل محلها المحاصصة الهوياتية، ويصبح الانتماء الفرعي معيارًا لتوزيع الامتيازات والتمثيل، بينما يُعاد تقديم الوحدة الوطنية باعتبارها أداة محتملة للهيمنة، والانقسام باعتباره استحقاقًا للعدالة، وهنا تتبدل الوظيفة السياسية للتعدد، فتغدو الطائفية قاعدة لإعادة بناء السلطة، وتصبح الدولة أشبه بتركة سياسية تتنازع الجماعات حصصها، فيما تتوارى فكرة الوطن خلف حسابات المكونات وموازين القوة.
وعند هذه النقطة تحديدًا، يمكن تطوير قراءة أطروحة اللبننة من خلال ما يمكن توصيفه بمفهوم خصخصة الأمان السياسي، وهو تحول تتراجع بموجبه مكانة الدولة في الوعي الاجتماعي باعتبارها المرجعية العامة للحماية، لتتقدم الجماعات الدينية أو العشائرية أو المناطقية بوصفها مصادر بديلة للشعور بالأمن.
ولا يقتضي هذا التحول انهيارًا فعليًا للمؤسسات أو فقدان الدولة احتكار الاستخدام المشروع للقوة، إذ يكفي أن يتشكل لدى الأفراد اعتقاد بأن سلامتهم مرتبطة بقدرة جماعتهم على حمايتهم أكثر من ارتباطها بسيادة القانون؛ وهنا يبدأ التآكل المعنوي للعقد السياسي؛ لأن الدولة وإن احتفظت بسلطتها القانونية على الإقليم، فإنها تصبح معرضة لفقدان احتكارها الرمزي لمرجعية الحماية، بما يسمح بظهور ولاءات أمنية موازية تتغذى على المخاوف المتبادلة، وتعيد توزيع الثقة الاجتماعية وفق حدود الانتماء بدلًا من مقتضيات المواطنة.
وبهذا المعنى، قد يسبق التفكك الإدراكي أي تفكك مؤسسي أو جغرافي، فتظل حدود الدولة موحدة على الخريطة، بينما تتعدد داخلها المرجعيات التي يستمد منها المواطنون إحساسهم بالانتماء والأمان؛ وتكتسب هذه الإشكالية حساسية مضاعفة عندما تقع الجريمة في محيط ديني أو أثناء شعائر اجتماعية ذات دلالة روحية، لأن الاعتداء في هذه الحالة يلامس الذاكرة الجمعية والهوية الثقافية، ويفتح المجال أمام ما يُعرف في الدراسات الأمنية النقدية بمفهوم أمننة الهوية، أي إعادة تقديم الاختلاف الديني أو الثقافي بوصفه مسألة تهديد وجودي تستدعي ترتيبات استثنائية للحماية، بدلًا من التعامل معه باعتباره أحد المكونات الطبيعية للبنية الاجتماعية.
وتكمن خطورة هذا المسار في احتمالية إنتاج شعور متبادل بالارتياب، تصبح معه سلامة الجماعة مسألة خاصة منفصلة عن الضمانات الوطنية العامة، ويتحول الخوف من الجريمة إلى خوف من الآخر، بما يمنح العنف قدرة على إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية تتجاوز قدرته المباشرة على الإيذاء.
وقد كشفت التحولات التي شهدتها سوريا عن قابلية الانقسامات الداخلية للتحول إلى خرائط نفوذ تتداخل فيها الاعتبارات المحلية بالحسابات الإقليمية والدولية، حيث ارتبطت السيطرة على الأرض بتوظيف المخاوف الجماعية والمطالب الهوياتية في إنتاج ترتيبات أمنية وسياسية متباينة، غير أن استحضار الحالة السورية لا يقوم على افتراض تماثل الظروف التاريخية أو البنى المؤسسية مع الحالة الأردنية، وإنما على تتبع آلية سياسية يمكن أن تظهر بدرجات متفاوتة في البيئات المضطربة، تتمثل في انتقال الهوية الفرعية من موقعها الاجتماعي إلى موقع المنافسة على الشرعية والحماية؛ فالتعدد الديني أو العشائري أو الثقافي لا يحمل بذاته مقومات التفكك، وإنما تتولد قابليته للاستقطاب حين تعجز المؤسسات عن تنظيم الاختلاف ضمن مرجعية دستورية وقانونية مشتركة، وحين يصبح الانتماء إلى الجماعة أكثر تأثيرًا من المواطنة في تحديد فرص الأمن والتمثيل والوصول إلى الموارد.
وفي ضوء ذلك، تكتسب الكرك خصوصية تاريخية وسياسية تتجاوز حدودها الجغرافية وتركيبتها الديموغرافية، باعتبارها إحدى الحواضن التي أسهمت في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي الأردني، وتداخلت فيها البنية العشائرية بالانتماء الوطني، وامتزج الحضور الإسلامي والمسيحي ضمن نسيج اجتماعي تشكل عبر تراكم علاقات الجوار والمصالح والذاكرة المشتركة والالتزامات المتبادلة؛ فلم يكن التعايش فيها مجرد صيغة لتنظيم العلاقة بين جماعتين دينيتين، وإنما امتدادًا لبنية اجتماعية جعلت من الانتماء إلى المكان والتاريخ المشترك مرجعية تتجاوز التصنيفات الدينية، وأسبغت على التنوع طابعًا اجتماعيًا أصيلًا لا يحتاج إلى إعادة تعريف مستمرة لإثبات مشروعيته.
ويمنح هذا التكوين الكرك ثقلًا رمزيًا تعززه مكانتها في التاريخ السياسي الأردني، ولا سيما إرث ثورتها عام 1910 في مواجهة السلطة العثمانية، وما ارتبط بها من تعبيرات الرفض والكرامة والتضامن الجمعي، بما يجعلها نموذجًا لارتباط الوعي المحلي بمفاهيم الاستقلال الاجتماعي والمقاومة السياسية.
من هذا المنطلق، فإن الاعتداء على مشيعين في محيط ديني داخل هذه البيئة لا يقتصر أثره المحتمل على انتهاك أمن المواطنين وحرمة الموت، وإنما يلامس إحدى الصور التاريخية للتداخل الاجتماعي الذي تستمد منه الكرك خصوصيتها الوطنية؛ إذ يتقاطع المكان الديني مع الذاكرة الجمعية، وتتداخل حرمة الشعائر مع التزامات التضامن التي تشكلت بين أبناء المجتمع الواحد عبر أجيال متعاقبة.
وتكمن المفارقة السياسية في أن الخصوصية التي تمنح الكرك مناعتها الداخلية هي ذاتها التي تضفي على أي محاولة لزعزعة الثقة بين مكوناتها أثرًا رمزيًا محتملًا؛ فإحداث شرخ في مجتمع عُرف تاريخيًا بتداخل انتماءاته قد يتيح توظيف الخوف لتغذية التصورات الانقسامية، وإعادة إنتاج الهويات الفرعية بوصفها مرجعيات مستقلة للحماية، بيد أن قراءة هذه القابلية السياسية لا تعني الجزم بأن الاعتداء نُفذ في إطار مشروع منظم لإحداث انقسام وطني، أو نسبة الجريمة إلى مخطط استراتيجي بعينه؛ فإثبات الدوافع والارتباطات والمسؤوليات يظل رهين التحقيق والأدلة، بينما تتعلق القراءة السياسية باستشراف ما قد ينشأ عن الجريمة من تداعيات إذا أُعيد توظيفها في إنتاج المخاوف الهوياتية؛ فالتمييز بين القصد الجنائي والأثر السياسي المحتمل ضرورة منهجية تحول دون انتقال التحليل من تفسير المخاطر إلى افتراض الوقائع.
وفي الحالة الأردنية، تبرز خصوصية البنية الوطنية التي تشكلت تاريخيًا من تداخل الانتماءات الدينية والعشائرية والمناطقية ضمن مرجعية سياسية جامعة، الأمر الذي يجعل صيانة هذه العلاقة مسألة تتصل بالأمن الوطني بمفهومه الشامل، لا بمجرد إدارة التعايش الاجتماعي؛ فالمسيحي الأردني لا يستمد حقه في الأمن والانتماء من تسامح الأكثرية أو رعايتها، وإنما من مركزه الدستوري والقانوني بوصفه مواطنًا كامل الحقوق، شريكًا في الوطن والشرعية التي تقوم عليها مؤسساته.
ومن ثم، فإن اختزال التضامن الوطني في حماية مكون ديني من قبل مكون آخر، رغم ما قد يحمله من نوايا إيجابية، ينطوي على إشكالية مفاهيمية تتمثل في إعادة إنتاج تفاوت ضمني بين من يمنح الحماية ومن يتلقاها، بينما تقضي فلسفة المواطنة الدستورية بأن يكون أمن الجميع التزامًا أصيلًا على الدولة، وأن يمثل الاعتداء على أي مواطن انتهاكًا للمنظومة الحقوقية التي يستند إليها المجتمع بأكمله.
ومن هنا، تتجاوز قوة الدولة مفهوم القدرة على الردع وإنفاذ القانون إلى قدرتها على إنتاج شعور عام بعدالة الحماية وتكافؤ الانتماء؛ فالمناعة المؤسسية لا تتحقق بمجرد احتواء الجريمة أو ملاحقة مرتكبيها، وإنما بترسيخ الثقة بأن المؤسسات الوطنية قادرة على صون الحقوق دون تمييز، وأن سيادة القانون تتقدم على كل مرجعية أهلية أو طائفية أو مناطقية. ذلك أن احتكار الدولة المشروع للقوة يفقد جانبًا من وظيفته السياسية إذا لم يقترن باحتكارها العام للثقة في عدالة الحماية، وحين تصبح المواطنة ضمانة فعلية للأمان، تتراجع قدرة الانتماءات الفرعية على التحول إلى بدائل سياسية تنازع الدولة شرعيتها، ويستعيد التنوع مكانته بوصفه مصدرًا للثراء الاجتماعي لا مدخلًا لتجزئة الجماعة الوطنية.
ولعل المواقف الشعبية والرسمية التي أعقبت الاعتداء في الكرك جسدت أحد أهم مرتكزات هذه المناعة في صورتها الأردنية، حين تجاوز الاستنكار حدود الانتماءات الدينية ليغدو تعبيرًا عن إدراك جمعي بأن الاعتداء على أي مكون من مكونات المجتمع يمس الجماعة الوطنية بأكملها. وفي موازاة هذا الوعي، جاء الموقف الهاشمي ليؤكد مركزية المرجعية الوطنية الجامعة؛ إذ عكست توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني بملاحقة مرتكبي الجريمة وتقديمهم إلى العدالة أن حماية المواطنين وإعمال القانون مسؤولية سيادية لا تقبل التجزئة، فيما أكد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، أن رصاص الإرهاب لن ينال من الكرك وتاريخها المليء بالشرف والكرامة، وأن الأردنيين سيبقون صفًا واحدًا في مواجهة كل من يحاول المساس بأمن الوطن واستقراره.
كما اكتسب إعلان الحداد العام لثلاثة أيام دلالة سياسية واجتماعية تجاوزت مراسم الحزن، حين انتقلت الفاجعة من خصوصية المكان والانتماء الديني إلى الوجدان الوطني المشترك، في تأكيد أن الدولة لا تتعامل مع تنوع مواطنيها باعتباره جماعات منفصلة تتقاسم الحماية، وإنما بوصفهم جماعة سياسية واحدة تتساوى في الحقوق وتتشارك المصير.
وهنا تتجلى المفارقة الأعمق في مواجهة أطروحة اللبننة؛ فالتفكك لا يبدأ بالضرورة عندما تتغير الحدود، وإنما عندما تتآكل الثقة التي تمنح تلك الحدود معناها السياسي، وحين تتحول الهويات الفرعية من روافد للانتماء الوطني إلى بدائل عن الدولة في إنتاج الشرعية والحماية.
غير أن ما أظهرته المواقف الأردنية إزاء الاعتداء يضع أمام هذا الاحتمال معادلة مغايرة، تقوم على التقاء الشرعية السياسية الهاشمية بالتماسك المجتمعي، وعلى إدراك أن الجريمة لا تمنح مرتكبها حق تمثيل جماعته، ولا تنتزع من ضحيتها انتماءها إلى الوطن بأكمله؛ وبذلك يصبح التحدي الحقيقي في تجريد العنف من قدرته على إنتاج واقع سياسي جديد، ومنع انتقال آثاره من دائرة المسؤولية الجنائية إلى دائرة الخصومة الهوياتية، لأن أخطر ما يمكن أن يحققه الإرهاب، إلى جانب ما يسلبه من أرواح، هو ما يزرعه بين الأحياء من خوف وارتياب، وما يتركه من تصدعات في الثقة التي يستند إليها البناء الوطني.
وفي المحصلة، فإن صمود الدولة لا يقاس بسلامة جغرافيتها وحدها، وإنما بقدرتها على صيانة المعنى السياسي الذي يجعل من سكانها شعبًا واحدًا، ومن تعددهم الاجتماعي امتدادًا لوحدتهم لا نقيضًا لها. وحين يرفض المجتمع توريث الجريمة إلى ذاكرته بوصفها خصومة بين مكوناته، ويصر على أن تكون العدالة مسؤولية الدولة والأمان حقًا للمواطنة، فإنه يسقط أحد الشروط الأساسية للتفكك، ويؤكد أن وحدة الوجدان الوطني ليست نتيجة للاستقرار فحسب، وإنما إحدى ضماناته التأسيسية؛ فالدولة التي يعجز العنف عن تقسيم وجدانها، يصعب أن تصبح جغرافيتها قابلة للقسمة.

