صدى الشعب - كتب خالد خازر الخريشا
من المؤسف ما شاهده الملايين من الاردنيين على "فضائية رؤيا " مواطنة بسيطة ومزارعة من شمس الاغوار الحارقة اسم على مسمى (نبيلة الحشوش) تجلس على طرف طاولة لكن يبدو لي ان رب العالمين اعطاها القوة والمنعة وقوة الحجة وتحمل بعض الخرائط العتيقة ربما على زمن اجدادها تدافع عن حقوق المزارعين في الاغوار من قضية استملاك السكك الحديدية والشركات الاخرى .
نبيلة بلا تبرج ولا أصباغ ولا مساحيق، متسلحةً بقضية وطنية راسخة وخريطة وفاء لا يدرك قيمتها الحقيقية إلا من سكن تراب الأغوار الطيّب ، إنها نموذج وطني ملهم للمرأة الأردنية القابضة على الجمر دفاعاً عن المبدأ والأصل .
وفي الطرف الاخر يجلس نواب يفترض انهم منتخبون من الشعب يدافعون عن مبررات السلطة التنفيذية بكل ما اتاهم الله من قوة وبكل بسالة وكأنهم محامي دفاع شرس عن الحكومة هذا هو المنظر والمشهد المبكي المحزن في اللقاء .
معقول وصلنا إلى هذا المنحدر، نواب يقفون في مواجهة مزارعة بسيطة تدافع عن مزارعي الأغوار وحقوقهم ، بينما يظهر بعض النواب وكأنهم في موقع الدفاع عن مشاريع الحكومة أكثر من دفاعهم عن الناس الذين انتخبوهم ، معقول أن يصل حال مجلس النواب إلى هذا المستوى ؟ سؤال يفرض نفسه قبل أي تفصيل آخر .
حين تتحدث ابنة الأغوار الأبيّة نبيلة الحشوس، فإنها لا تنطق بكلمات عابرة، بل تروي قصة عزة وكرامة تنبض بحب الأرض ، نبيلة حافظت على وصية والدها الراحل الذي ضرب أروع الأمثلة في الصمود ، فلم يرضَ يوماً أن يبيع شبراً واحداً من أرضه ، رغم قسوة الظروف وضيق العيش .
توقفت طويلاً أمام مشهد مؤلم ، لا لأنه يتعلق بقانون الاستملاك ، ولا بمشروع السكك الحديدية ، ولا حتى بأراضي الأغوار الجنوبية ، وإنما لأنه يلامس جوهر العلاقة بين المواطن وممثليه في مجلس النواب ، ويمس بصورة مباشرة مفهوم العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن .
في اللقاء التلفزيوني ظهرت المزارعة نبيلة الحشوش من الأغوار وهي تتحدث بحرقة ومرارة عن قضية استملاك الأراضي في غور الصافي، وتدافع عن حقوقها وحقوق المزارعين ، وعن الأرض التي تمثل بالنسبة لهم مصدر رزق وحياة واستقرار .
المشهد بحد ذاته يستحق التوقف مواطنة تجلس على طرف الطاولة ، تحمل همّ أرضها ومزرعتها ومصير آلاف الدونمات ، وتحاول أن تشرح وتدافع وتطالب بحقوق المواطنين وفي الطرف الآخر، نواب منتخبون من الشعب ، يفترض أنهم صوت المواطن وليس ( سوطه) والمدافع الأول عن مصالحه ، فإذا ببعضهم يظهر وكأنه ناطق رسمي باسم الحكومة محامي دفاع عن مبررات السلطة التنفيذية ومشروع الحكومة .
وهنا توقفت أمام سؤال أخطر بكثير من قانون الاستملاك نفسه : متى أصبح المواطن هو من يدافع عن حقوقه أمام ممثليه في مجلس الشعب ؟ بدلاً من أن يكون ممثلوه هم من يحملون تلك الحقوق إلى مؤسسات الدولة ؟ هذا هو السؤال الحقيقي فالنواب لم يصلوا إلى قبة البرلمان باعتبارهم موظفين لدى الحكومة ، وإنما باعتبارهم ممثلين للشعب ، وأصواتاً للناس الذين انتخبوهم ، وأصحاب ولاية تشريعية ورقابية تفرض عليهم أن يسألوا ويحققوا ويدققوا ويوازنوا بين المصلحة العامة ومصالح المواطنين .
لا أحد يعارض مشروعاً وطنياً أو استثمارياً يمكن أن يخدم الأردن واقتصاده ، ولا أحد يرفض تطوير شبكة النقل والسكك الحديدية إذا كانت جزءاً من مشروع تنموي متكامل لكن السؤال : هل يجوز أن يصبح المشروع في حد ذاته هو الحقيقة الوحيدة التي يجب الدفاع عنها ، بينما يصبح المواطن الذي ستتأثر أرضه ومصدر رزقه هو الطرف الذي عليه أن يثبت أن له حقاً ؟ مزارعة الأغوار لم تكن تدافع عن ملكية خاصة فحسب كانت تتحدث عن المزارع ، وعن الأمن الغذائي ، وعن الأراضي الزراعية ، وعن مستقبل مجتمع محلي بأكمله .
الأغوار ليست مجرد مساحة جغرافية على خارطة الأردن إنها واحدة من أهم المناطق الزراعية في المملكة ، وما يحدث فيها يرتبط مباشرة بالزراعة والإنتاج الغذائي وفرص العمل والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لآلاف الأسر.
ولهذا فإن أي تشريع يمس آلاف الدونمات في الأغوار، أو يعيد رسم حقوق الملكية والاستملاك ، أو يرتبط بمشروع استراتيجي مثل السكك الحديدية ، يجب ألا يُناقش من زاوية واحدة ، نحن بحاجة إلى دراسة قانونية دقيقة ، ودراسة اقتصادية ، واجتماعية، وزراعية ، وبيئية ، وأمن غذائي، وأن يُستمع إلى أصحاب الأرض والمزارعين والخبراء والمجتمع المحلي، قبل اتخاذ أي قرار نهائي .
المؤسف أن نشاهد مواطنة بسيطة تضطر إلى الوقوف أمام ممثلي الشعب لتشرح لهم لماذا يجب أن تُحمى حقوق المواطنين ، كان يفترض أن يكون المشهد مختلفاً تماماً كان يفترض أن يقف النواب إلى جانب المواطنين ، وأن يقولوا للحكومة : نعم للمشروع الوطني ، ولكن ليس على حساب حقوق الناس ، وليس قبل دراسة جميع الآثار، وليس من دون ضمانات عادلة وواضحة للمتضررين .
النائب ليس محامياً للحكومة ، والرقابة البرلمانية ليست وظيفة شكلية ، والتشريع ليس مجرد تمرير مشاريع القوانين ، ومجلس النواب هو بيت الشعب ، ومن داخله يجب أن يسمع صوت المواطن ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأرضه وملكيته ومصدر رزقه .
نعم يا سادة "نبيلة الاغوار" ملح الأرض وعنوان الوفاء والعطاء ... نبيلة وأمثالها قلب الوطن النابض وسياج أمنه الغذائي والاقتصادي والاجتماعي أحبها الناس لأنها صدمتِ أصحاب البدلات التي يساوي سعرُ بعضها محصولَ موسمٍ كامل ، وأثبتت أن المزارعة قد تكون بكل هذه الفصاحة والدقة، وتعرف متى وكيف تقدّم الحجة والبرهان ، نبيلة الحشوس ... أيقونة الأغوار وصوتها لا تحتاج منصباً لتكون في القمة .













