صدى الشعب _ أسيل جمال الطراونة
أصبحت كاميرات المراقبة جزءاً أساسياً من منظومة الأمن في العمارات والمباني السكنية والمحال والأماكن العامة، لما توفره من قدرة على توثيق الوقائع والحد من بعض السلوكيات المخالفة وتعزيز شعور المواطنين بالأمان، إلا أن انتشارها يثير في المقابل تساؤلات قانونية حول حدود استخدامها، ومدى مشروعية تصوير الأماكن الخاصة، ومن يملك حق الاطلاع على التسجيلات أو الاحتفاظ بها ونشرها.
وفي الوقت الذي تفرض فيه التطورات التقنية للكاميرات، بما تمتلكه من قدرات عالية على التصوير والتقريب والتحريك والتسجيل عن بُعد، تحديات متزايدة أمام حماية الخصوصية، يؤكد مختصون أن وجود الكاميرات لا يعني منح أصحابها صلاحية مطلقة لمراقبة الآخرين، وإنما يجب أن يخضع استخدامها لضوابط توازن بين مقتضيات الأمن والحق في الخصوصية.
أكد أستاذ القانون الجنائي وتشريعات الذكاء الاصطناعي والجرائم الإلكترونية، الدكتور أشرف الراعي، أن تركيب كاميرات المراقبة في العمارات والمباني السكنية أصبح من الوسائل المهمة لتعزيز الأمن وحماية الأشخاص والممتلكات، إلا أن هذه الغاية لا تمنح مالك العقار أو السكان حقاً مطلقاً في التصوير، وإنما تستوجب تحقيق توازن واضح بين متطلبات الأمن وحق الأفراد في الخصوصية.
وأوضح الراعي أن المعيار الأساسي عند تحديد مكان الكاميرا وزاوية تصويرها هو أن تقتصر المراقبة، بالقدر اللازم، على الأماكن التي تخدم الغرض الأمني المشروع، مثل مداخل العمارة ومخارجها والممرات والمواقف والمناطق المشتركة، وألا تمتد زاوية التصوير إلى داخل الشقق أو النوافذ أو الشرفات أو الحدائق والمساحات الخاصة بالجيران، متى كان من شأن ذلك كشف تفاصيل حياتهم الخاصة.
وأشار إلى أن التطور التقني للكاميرات يجعل المسألة أكثر حساسية، خصوصاً مع انتشار الكاميرات عالية الدقة والقابلة للتقريب والتحريك أو المتابعة عن بُعد، مؤكداً أن المسؤولية لا ترتبط فقط بمكان تثبيت الكاميرا، وإنما أيضاً بما تستطيع الكاميرا فعلياً رؤيته وتسجيله.
وبيّن أنه في حال إمكانية ضبط مجال الرؤية أو استخدام تقنيات حجب المناطق الخاصة، فينبغي الاستفادة منها لمنع تصوير الأماكن التي لا ترتبط بالغرض الأمني المشروع.
وفيما يتعلق بتسجيلات الكاميرات، أوضح الراعي أن ظهور الأشخاص في التسجيلات بصورة تسمح بالتعرف عليهم يمكن أن يدخل ضمن نطاق البيانات الشخصية، وبالتالي لا يجوز التعامل مع هذه التسجيلات باعتبارها مادة متاحة لجميع سكان العمارة أو تداولها بينهم دون ضوابط.
وأكد أن الوصول إلى التسجيلات يجب أن يكون محصوراً بالشخص أو الجهة المخولة بإدارة نظام المراقبة، وفي حدود الغرض الذي جُمعت من أجله، مع تمكين الجهات المختصة من الحصول عليها وفقاً للقانون عند وقوع جريمة أو حادث يستدعي الرجوع إليها.
وشدد على أن مجرد كون الشخص مالكاً أو ساكناً في العمارة لا يعني بالضرورة أن له الحق في الحصول على نسخة من التسجيلات أو الاطلاع على تحركات بقية السكان، لافتاً إلى أن نشر التسجيلات أو إرسالها عبر مجموعات التواصل الاجتماعي يختلف عن استخدامها لأغراض الأمن أو تقديمها إلى الجهات المختصة، وقد يؤدي الاستخدام غير المشروع إلى المساس بخصوصية الأشخاص الظاهرين فيها.
وحول مدة الاحتفاظ بالتسجيلات، قال الراعي إن الأصل من منظور حماية البيانات ألا يتم الاحتفاظ بها إلى أجل غير محدد، وإنما للمدة التي تقتضيها الغاية المشروعة من جمعها أو وفق المدد التي تفرضها التشريعات أو التعليمات الخاصة، متى كانت المنشأة خاضعة لها.
وأضاف أنه في حال ارتباط تسجيل معين بشكوى أو جريمة أو تحقيق، فإن مقتضيات حفظ الدليل تبرر الاحتفاظ به وعدم العبث به إلى حين انتهاء الحاجة القانونية إليه.
وحول تركيب كاميرا تكشف داخل منزل أو شقة أو مساحة خاصة لأحد الجيران، بيّن الراعي أن المسألة هنا تتجاوز الاستخدام الطبيعي لكاميرات الحماية، مؤكداً أن حق الشخص في حماية منزله لا يعطيه الحق في مراقبة منزل غيره أو تفاصيل حياته الخاصة.
وأوضح أنه إذا ثبت أن الكاميرا وُجهت بطريقة تمكن من تصوير مكان يتمتع فيه الشخص بتوقع مشروع للخصوصية، فقد تنشأ مسؤولية قانونية بحسب ظروف الواقعة وطبيعة التصوير وكيفية استخدام التسجيلات أو نشرها.
وأضاف أن المسؤولية قد لا تتوقف عند مجرد التصوير، وإنما تصبح أكثر جسامة عندما يقترن ذلك بحفظ الصور أو استخدامها لغير الغرض المشروع أو نقلها إلى الآخرين أو نشرها أو توظيفها للإساءة أو الابتزاز أو التشهير، مشيراً إلى إمكانية ترتيب مسؤولية مدنية عن الضرر الذي أصاب الشخص نتيجة الاعتداء على خصوصيته، إلى جانب ما قد تقرره التشريعات الجزائية ذات الصلة متى توافرت أركان الجريمة.
وختم الراعي بالقول: كاميرا المراقبة وُجدت لحماية المكان لا لمراقبة حياة الآخرين. والحد الفاصل بسيط من حيث المبدأ: صوّر ما يلزم لحماية المدخل والممر والممتلكات، ولا تجعل الكاميرا نافذة إلكترونية على منزل جارك أو حياته الخاصة. فالتكنولوجيا التي تعزز الأمن يجب ألا تتحول في الوقت ذاته إلى أداة لانتهاك الخصوصية
القضاة: هناك فرق بين تصوير الأماكن العامة والتصوير في الأماكن العامة
من جانبه، قال الصحفي خالد القضاة إن موضوع كاميرات المراقبة يرتبط بمفهومين يجب التفريق بينهما، هما "تصوير الأماكن العامة" و"التصوير في الأماكن العامة"، موضحاً أن لكل منهما طبيعة وضوابط مختلفة.
وبيّن أن تصوير الأماكن العامة يتم عادة من خلال كاميرات ثابتة، يدخل الأشخاص في نطاقها ويخرجون منه دون أن تكون الكاميرا موجهة لاستهداف شخص بعينه، وإنما تقوم بتصوير منطقة محددة، مشيراً إلى وجود هذا النوع من الكاميرات في العمارات والمولات والشوارع وغيرها من الأماكن.
وأكد القضاة أن هذه الكاميرات يجب أن تقتصر على تصوير الأماكن العامة وألا تتعدى على خصوصية الناس، سواء من خلال تصوير أماكن جلوسهم الخاصة أو شرفات منازلهم أو المناطق الداخلية الخاصة بالمنازل، خصوصاً في العمارات والمجمعات السكنية.
الكاميرات في العمارات يجب أن تكون معلنة
وأشار القضاة إلى أهمية أن تكون الكاميرات الموجودة في العمارات والمباني السكنية معلنة وواضحة، بحيث يعلم الأشخاص بوجودها وأنهم يدخلون ضمن نطاق تصويرها.
ولفت إلى أهمية وجود يافطات واضحة تشير إلى أن المكان خاضع للمراقبة بالكاميرات، مؤكداً أن الكاميرات لا ينبغي أن تكون سرية، بل يجب أن يكون وجودها واضحاً للأشخاص الموجودين في المكان.
كما أشار إلى أهمية وجود توافق بين سكان العمارة على نظام المراقبة، وأن تكون إدارة التسجيلات مرتبطة بشخص يحظى بثقة السكان وأمانته.
وفيما يتعلق بالرجوع إلى تسجيلات كاميرات المراقبة عند وقوع مشكلة أو جريمة، شدد القضاة على ضرورة أن يتم التعامل معها وفق الأطر القانونية، وألا يقوم أي شخص بتداولها أو إعادة نشرها من تلقاء نفسه.
وأوضح أن التسجيلات المرتبطة بحادثة أو جريمة تستوجب الرجوع إليها ينبغي أن تصل إلى الجهات المختصة وفق الإجراءات القانونية، باعتبارها مادة يمكن أن تسهم في كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات.
أما "التصوير في الأماكن العامة"، فأوضح القضاة أنه يختلف عن الكاميرات الثابتة، إذ قد يتم بواسطة كاميرات متحركة أو الهواتف الخلوية أو كاميرات المصورين والصحفيين، وهنا تصبح مسألة احترام خصوصية الأشخاص أكثر حساسية.
وقال إن الجرم، بحسب الحالة، قد يرتبط بفعل التصوير ذاته ومدى اختراقه لخصوصية الشخص، بينما قد ينشأ فعل آخر يتعلق بالنشر وإعادة النشر، موضحاً أن الشخص الذي يصور قد يكون هو نفسه من يقوم بالنشر، أو قد يتدخل شخص ثالث في إعادة نشر المادة.
وأضاف أن المسؤولية قد تتعدد بحسب الأدوار التي قام بها الأشخاص في التعامل مع المادة المصورة، خصوصاً في حال اقتطاع جزء من الفيديو أو إعادة توظيفه أو إضافة تعليق عليه ثم نشره.
إعادة نشر التسجيلات قد تضيف مسؤوليات قانونية
وأشار القضاة إلى أن التعامل مع مقاطع الفيديو المنشورة لا ينفصل عن كيفية استخدامها والسياق الذي أعيدت فيه، إذ قد تترتب آثار قانونية مختلفة بحسب طريقة الاقتطاع، والغاية من النشر، والتعليق المصاحب للمقطع، وما إذا كان المحتوى يتضمن إساءة أو تشهيراً أو مساساً بخصوصية الشخص أو هويته.
وبيّن أن التقييم القانوني يأخذ في الاعتبار الحالة بصورة متكاملة، بما في ذلك مضمون المقطع وطريقة نشره والتعليقات المصاحبة له والأثر الذي أحدثه.
وتطرق القضاة إلى مسألة الكاميرات التي لا تكتفي بتسجيل الصورة وإنما تتضمن أيضاً ميكروفونات لتسجيل الصوت، معتبراً أن تسجيل الصوت يثير إشكاليات إضافية تتعلق بالخصوصية.
وأشار إلى ضرورة التمييز بين كاميرات تسجيل الصورة فقط وتلك التي تسجل الصوت والصورة، مؤكداً أن وجود خاصية تسجيل الصوت يستدعي مزيداً من الحذر والالتزام بالضوابط والموافقات القانونية ذات الصلة.
وأكد القضاة أن معالجة المخالفات المرتبطة بكاميرات المراقبة لا ينبغي أن تؤدي إلى التخلي عن وجودها في الأماكن العامة، باعتبارها وسيلة مهمة لتعزيز الشعور بالأمان والحد من السلوكيات المخالفة.
وأوضح أن وجود الكاميرات يمكن أن يسهم في ردع المخالفات وتوفير أدلة عند وقوع الجرائم والحوادث، كما يساعد في حماية حقوق المواطنين وتنظيم الحركة في الأماكن العامة، فضلاً عن تعزيز قدرة جهات إنفاذ القانون على الوصول إلى الأدلة عند الحاجة.
وشدد على أن المطلوب هو تنظيم استخدام الكاميرات ومعالجة أي تجاوزات أو انتهاكات للخصوصية وفق القانون، دون المساس بمبدأ وجودها كوسيلة أمنية ووقائية.
وبين أن الكاميرات في الأماكن العامة أصبحت وسيلة للردع وضبط السلوك، سواء بالنسبة للمواطنين أو أصحاب المحال أو مستخدمي الطرق والسائقين، مؤكداً أن وجودها يمكن أن يحقق قدراً أكبر من الأمان عندما تستخدم ضمن إطار قانوني واضح يحمي الأمن والخصوصية في آن واحد.
وتبقى الإشكالية الأساسية في انتشار كاميرات المراقبة هي كيفية تحقيق المعادلة بين حق المجتمع في الأمن وحق الفرد في الخصوصية؛ فوجود الكاميرا في مدخل عمارة أو موقف سيارات أو شارع عام قد يكون وسيلة مشروعة للوقاية والردع، لكن توجيه عدستها نحو نافذة منزل أو شرفة أو مساحة خاصة يحولها من أداة للحماية إلى وسيلة محتملة للتدخل في الحياة الخاصة.
وبينما تتطور قدرات الكاميرات بصورة متسارعة، تبرز الحاجة إلى وعي أكبر لدى مالكي العقارات والسكان وأصحاب المنشآت بشأن أماكن تركيبها، وزوايا تصويرها، وطرق حفظ التسجيلات، والجهات المخولة بالاطلاع عليها، بما يضمن ألا يتحول التطور التقني من وسيلة لتعزيز الأمن إلى مصدر جديد لانتهاك الخصوصية












