صدى الشعب – أسيل جمال الطراونة
لم تعد الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية مجرد وسائل للترفيه أو التواصل بالنسبة للأطفال والمراهقين، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من تفاصيل حياتهم اليومية، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة حول تأثير الاستخدام المفرط للشاشات على صحتهم النفسية وسلوكهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
ومع اتساع حضور مواقع التواصل الاجتماعي في حياة الأطفال والمراهقين، تبرز أهمية دور الأسرة في تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحد من آثارها السلبية، خصوصًا عندما يتحول تعلق الطفل بالهاتف من استخدام طبيعي إلى سلوك يؤثر على دراسته ونومه وعلاقاته وتواصله مع أسرته ومحيطه.
وتحذر استشارية العلاج النفسي والسلوكي الدكتورة أمل الكردي من أن الاستخدام المفرط للهواتف والأجهزة الإلكترونية قد يشكل جذورًا للقلق المرضي، مع إمكانية زيادة حدته مع مرور الوقت، إلى جانب تشتت الانتباه وربما ضعف التركيز.
وتوضح الكردي أن هناك مجموعة من المؤشرات التي يمكن للأهل ملاحظتها عندما يتحول تعلق الطفل بالهاتف إلى مشكلة تستدعي التدخل، من أبرزها إهمال المهام اليومية أو الدراسة بالنسبة للأطفال في سن المدرسة، والعصبية عند منع استخدام الهاتف أو حتى عند محاولة تقنين استخدامه، إضافة إلى الانسحاب الأسري والاجتماعي، ومشكلات النوم والأكل والتواصل بشكل عام، فضلًا عن ضعف التركيز.
وتشير إلى أن التعامل مع هذه المشكلة لا ينبغي أن يقوم على المنع المفاجئ أو الدخول في صراع مستمر مع الطفل، وإنما من خلال وضع قواعد واضحة وثابتة ومتفق عليها، إلى جانب تحديد أوقات وأماكن يمنع فيها استخدام الهاتف.
وتؤكد الكردي أهمية تقديم بدائل ممتعة للطفل بدل الاكتفاء بالمنع، موضحة أن التعامل السلوكي مع الأطفال يقوم بصورة أساسية على تقديم بديل عند سحب أو تقليل سلوك مستهدف، بما يساعد الطفل على التكيف مع القواعد الجديدة بصورة أكثر إيجابية.
مخاطر نفسية تتجاوز الاستخدام اليومي
وفيما يتعلق بمواقع التواصل الاجتماعي، تلفت الكردي إلى أن المخاطر النفسية التي قد يتعرض لها الأطفال والمراهقون لا تقتصر على إضاعة الوقت، وإنما قد تمتد إلى جوانب أعمق، من بينها المقارنة السلبية مع الآخرين، وانخفاض تقدير الذات، والقلق والاكتئاب، والخوف من فوات شيء، والتنمر الإلكتروني، إضافة إلى اضطراب وتشوه صورة الجسد.
وترى أن تعرض الأطفال المستمر للصور والمحتوى الذي يعكس نماذج مثالية أو غير واقعية للحياة والمظهر قد يدفع بعضهم إلى مقارنة أنفسهم بالآخرين بصورة سلبية، الأمر الذي قد يؤثر في صورتهم عن ذواتهم وثقتهم بأنفسهم.
الحوار.. خط الدفاع الأول
وتشدد الكردي على أن حماية الأطفال من التنمر الإلكتروني والمحتوى الضار لا تكون فقط من خلال الرقابة، وإنما تبدأ من الحوار المستمر مع الطفل دون تخويف، وتعليمه عدم مشاركة معلوماته الخاصة مع الآخرين، إلى جانب استخدام إعدادات الخصوصية والرقابة المناسبة.
كما تنصح بتشجيع الطفل على إخبار والديه فورًا في حال تعرضه لأي إساءة أو تنمر أو موقف يثير القلق لديه، مشددة على أهمية أن يشعر الطفل بأن اللجوء إلى الأسرة سيكون مصدرًا للحماية والدعم وليس للعقاب أو اللوم.
التوازن لا المنع
وترى الكردي أن الهدف الأساسي لا ينبغي أن يكون منع التكنولوجيا عن الأطفال، وإنما تحقيق التوازن في استخدامها، من خلال تحديد وقت مناسب للشاشات، وضمان حصول الطفل على نوم كافٍ ونشاط بدني منتظم، وتعزيز التواصل الأسري والاجتماعي، وتشجيعه على ممارسة الهوايات والأنشطة الواقعية بعيدًا عن الشاشات.
وتؤكد أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا من الحياة اليومية، ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى وعي أسري وقواعد واضحة بدلًا من المنع الكامل، مع ضرورة الانتباه إلى أي تغيرات سلوكية أو نفسية قد تظهر على الطفل نتيجة الاستخدام المفرط.
وبحسب الكردي، فإن دور الأسرة لا يقتصر على تحديد عدد ساعات استخدام الهاتف، بل يمتد إلى مساعدة الطفل على بناء حياة متوازنة تجمع بين التكنولوجيا والنشاط البدني والتواصل الاجتماعي والأسري والهوايات، بما يحافظ على صحته النفسية ويحد من تحول التكنولوجيا من أداة مفيدة إلى مصدر للمشكلات السلوكية والنفسية.












